الوضع الفلسطيني تخيم عليه أجواء أزمة حكم، رئيس الحكومة المكلف إسماعيل هنية، سلم الرئيس عباس كتاب قبوله مع برنامج «حماس» للحكم، رئيس السلطة طلب تعديل البرنامج، محذراً من خطر عزلة الشعب الفلسطيني وملوحاً باستخدام صلاحياته الدستورية ـ حقه في إقالة رئيس الحكومة، اذا رأى ذلك لازماً.
الحكومة تناقش برنامجها اليوم وغداً أمام المجلس التشريعي، وتتقدم بعد ذلك بطلب منحها الثقة، على أساسه التصويت لصالحها مضمون بحكم امتلاك «حماس» للأكثرية المطلوبة، وعليه فإن الوزارة الجديدة تكون، ابتداء من بعد غد، في مقعد الحكم. الإشارات التي حملها خطابها تفيد بأن الحركة متمسكة بطروحاتها، من غير ان تقطع خط الرجعة أو المرونة.
تحذيرات رئيس السلطة واضحة، أيضاً الرسالة التي تزمع قمة الخرطوم توجيهها إلى حماس واضحة ومؤداها، كما نسب الى مسؤول عربي قوله، ان مبادرة السلام العربية هي «الخيار الوحيد المطروح» وتردد أن الأمين العام للجامعة العربية سيقوم بإبلاغ الوزير الزهار بهذا الموقف.
اذا المشهد بات واضحاً، والسؤال: هل تقوى سلطة برأسين على التعايش؟ واذا كان ذلك متعذراً فهل تفرض الليونة نفسها ويتم العثور على صيغة تسوية تحفظ ماء وجه الطرفين أم تنقطع الشعرة بينهما ويقع الوضع الفلسطيني في أزمة حكم؟
قد تكون حيثيات كلا الرأسين، على جانب كبير من الجدارة والصواب.
البرامج والمقاربات والمنطلقات، ضروري توفرها لتستقيم البوصلة، وبالتالي لضمان السلامة في إدارة الصراع، أو على الأقل لتقليص خسائر قدر الإمكان وبما يكفل الاحتفاظ بعوامل الصمود، خاصة وان الهجمة كاسرة وتصفوية.
كذلك، البراغماتية وتحاشي العزلة ضروري التسلح بها لاجتياز مرحلة عصيبة ومصيرية، كل ذلك صحيح ولا ينكر أحد أهميته ووجاهته، لكن للأوقات المفصلية الصعبة أولويات أخرى، ربما.
وبل وضرورات أخرى، وقد تكون من صنف السلبيات التي لا يحتملها الظرف، منها بالنسبة للحظة الفلسطينية الراهنة ان يؤدي الخلاف في الطرح الى قطيعة فأزمة حكم، بين رئيس السلطة وحكومة حماس، فذلك يكون ليس أقل من هدية على صحن من فضة، لرئيس الحكومة الإسرائيلية القادمة، والذي يتم اختياره اليوم بالاقتراع.
أولمرت صاحب مشروع الفصل الأحادي، هو المرجح، حسب معظم الاستطلاعات، والرجل عازم على المضي بمخططه، وهو في طريقه للتشاور حوله مع إدارة بوش، هذا اذا لم يكن قد نال موافقتها سلفاً، وبالتالي فإن الساحة الفلسطينية أمام استحقاق داهم.
وحاسم، الاستمرار في لعبة «حافة الهاوية» الداخلية بين القوى الفلسطينية، في الوقت الذي بلغ فيه زحف مشروع أولمرت عتبة دخوله الى حيز الترجمة والتنفيذ، مجازفة مشحونة بالمخاطر، فإسرائيل راهنت دوماً على الوقيعة بين الخنادق الفلسطينية المختلفة.
لاشك انها شعرت بارتياح شديد لفشل محاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية، وربما رأت في ذلك فرصة جديدة لاستمرار المراهنة هذه، على الأقل لتواصل الاختباء وراء زعمها المعروف بأنه ليس هناك شريك فلسطيني للحديث عن السلام!
التراشق العلني بين المعنيين في السلطة والحكومة يزيد من مطاردة المتربصين بهما لإرباك الساحة الفلسطينية، وتركه يتمادى الى الحد الذي يصبح معه كلاهما أسيراً لمواقفه، تترتب عليه تداعيات مكلفة لن يسلم أحد من دفعها وتكون القضية الخاسر الأكبر.