يولد الطفل صفحة بيضاء ، ثم يشرع المجتمع في وضع الخطوط العامة لملامحه المستقبلية واتجاهاته المعاشية ومنها ثقافته ووعيه بمحيطه الكوني بدءا من اسرته الصغيرة ممثلة في الاب والأم وانتهاء بالعالم كله من حوله وما بينهما يكمن الوطن في بؤرة الشعور.

وقد دأب السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على تشكيل معالم الشخصية العمانية منذ بداية النهضة المباركة على اسس الانتماء للوطن والشعور بالولاء له كحاضن للقيم العليا التي يراد للانسان العماني ان يجسدها في كل تصرفاته.

وكانت نتائج هذا الجهد الدؤوب مبهرة، وهاهو المواطن العماني يعبر عن نفسه وعن وطنه افضل تعبير ويرسم لبلادنا احسن صورة في أذهان العالم اجمع عبر المشاركات الاقليمية والدولية، هذا المواطن العماني يشمل الرجال والنساء معا.

وإضافة الى المواطنين الكبار تتشكل شخصية المواطن العماني (الصغير) على نفس المنوال وتنضج مهاراته مبكرا بفضل هذه الرعاية السامية ، فيأخذ دوره خلال سني عمره الاولى مشاركا في رسم ملامح الوطن كما انغرست في مخيلته كوطن مسالم ، محب للتواصل مع البشرية جمعاء، معتنقا بروح المشاركة والابداع والتقارب مع الآخر والالتقاء في وجهات النظر والتصورات الذهنية عن القيم العليا.

وبخاصة قيمة السلام كحافز على التلاقي والتعاون المشترك والانسجام في الرعاية ليتجه الجميع مدثرين براية الألفة والمحبة الى ابتكار نموذج للتعايش السلمي لايستثني أحدا مهما كان انتماؤه العقدي أو الأثني أو اللوني.

ومن اوجه البراعة التي تجسد وضوح الرؤية العمانية تجاه هذه المفاهيم العالمية هي مشاركة اطفال السلطنة في مشروع فني جماعي بالمركز العماني الفرنسي لتعليم اللغة الفرنسية تحت عنوان (ارسم لي السلام) و(فسيفساء الأمل).

ويهدف هذا المشروع الفني الجماعي الى صناعة لوحة فنية تعبيرية عن الفسيفساء الخزفي يرسمها اطفال السلطنة بالمشاركة مع اطفال من مختلف بلدان العالم وسيتم تدشين اللوحة في الثاني والعشرين من مايو القادم في اطار الاحتفال بالقرن الدولي للسلام ووضعها في مجمع رولان غاروس لكرة المضرب.

وهكذا تثمر ثقافة السلام التي تنتهجها السلطنة ثمارا يانعة تؤتي أكلها في بواكير الطفولة ثم تتعمق في اللاشعور الجمعي لدى عامة المواطنين يجعل من بلادنا رسول سلام وأملا وتنمية الى جميع بلدان العالم الشقيقة والصديقة.

إن اقبال الطفل العماني على المشاركة على مثل هذه الفعاليات الجماعية يدل على مقدار الصحة النفسية والعقلية التي يتمتع بها وعمق الوعي الجماعي والاجتماعي الذي يولد فيه حب المشاركة والتسابق نحو احراز بطولات وانجاز مهارات فردية وجماعية في المجال الفني والرياضي والعلمي أيضا.

لكن الطفل بطبعه يقبل على ابداء مهاراته الفنية أولا وتأتي تعبيراته الفنية انعكاسا لشعوره الداخلي، واللوحات التي قام اطفال السلطنة برسمها في المناسبة تؤكد رغبتهم في التفاعل وحرصهم على ابراز مهاراتهم واهتمامهم المبكر بنشر رسالة السلام وتعميق العلاقات المشتركة بين السلطنة وبلدان العالم.

وهذه الانجازات لاطفالنا الأحبة تبعث في النفس الطمأنينة على مستقبل الطفولة العمانية الواعد وترسم آفاقا مشرقة للتطور الحضاري الذي سيحملون شعلته حين يشبون عن الطوق ، ليظل اسم الوطن ورايته مرفوعين دوما وأبدا.