دورات التاريخ تسببت في اقتلاع حضارات وإنشاء أخرى، وقد أحدثت مآسي كبيرة، ولذلك يأتي السؤال، هل ينتقم المهزوم من المنتصر عليه إذا ما أصبح هو الأقوى؟..

الآن الصين والهند تعودان إلى الساحة الدولية كقوتين عظميين، وقد كانت الهند تاج بريطانيا وزهرتها، وقد ولّد هذا العصر موقفاً معكوساً أي أن الهند لن تقوم بغزو بريطانيا واحتلالها، لكنها سوف تفرض وجودها من خلال سلعها الرخيصة والمتقدمة.

ولعل اللغة الانجليزية التي تحولت إلى اللغة الرسمية في ثاني أكبر تجمع بشري في العالم، سوف يجد البريطانيون أنها لعنة عليهم خاصة حينما تحولت الدولة المحتلة بتوظيف هذه اللغة لفتح مغاليق العلوم الحديثة، والاطلاع على الحضارة المعاصرة وتدويرها إلى وسيلة إنتاج ضخم يعكس التاج البريطاني ليلبسه كل الهنود..

الصين لن تنتقم من عدوتها اليابان بضرب مدنها بالأسلحة النووية، لكنها ستأخذ بحكمة (كونفوشيوس) في ترويض اليابان بالأخذ منها حصة آسيا، وما بعدها من الأسواق، لتزيل الكبرياء اليابانية المصطنعة وتعيدها إلى حضنها الخاص بأن تعترف أنها جزءٌ من الأصل الصيني الذي أنشأ حضارات تاريخية، وجعل اليابان امتداداً لذلك الأصل والأرومة، وقد تصبح الرقم الثالث في آسيا بعد العملاقين الصيني، والهندي..

روسيا التي بدأت تستفيق من حبس الشيوعية، والتي تعتبر جغرافياً تتربع ما بين آسيا وأوروبا، ولديها شخصيتها وثقافتها، وامتداد مساحاتها الهائلة، قد بدأت تستعد لرحلة البحث عن دور اقتصادي وسياسي يلائم مكانتها بأن نشهد دولة عظمى لديها القاعدة الصناعية والعلمية، والإمكانات البشرية، وبذلك تخرج من شخصية الرجل العليل إلى المتعافي والذي بوسائل تقدمه سوف يشكل رقماً جديداً في النادي العالمي للكبار..

زحف الشعوب المتقدمة، سيكون صدمة التاريخ الجديد، وقد نجد أميركا الجنوبية التي طالما كانت ملعب أمريكا في تغيير الحكومات والأحزاب، جاراً ومنافساً، وخاصة البرازيل، والأرجنتين وغيرهما، ونجد أسبانيا الأم مجرد جدة عجوز في حضرة هذه الدول، والتي كان استعمارها أكثر لعنة من كبرياء أميركا وعنادها تجاه أميركا اللاتينية..

إنها فلسفة الحياة، فكما كان الاستعمار لعنة، فإنه الآن مشروع حضارات لا تنتقم، ولكنها تبني أُسساً جديدة للعالم..