بين قمة «اللاءات الثلاث» في الخرطوم وقمة نهار غد في العاصمة ذاتها، مسافة أربعة عقود تقريباً. فسحة مديدة من الزمن، شهدت ما فاق التصور، كماً ونوعاً، من التحولات والتغيرات والانهيارات.

لكن مع ذلك ثمة ما هو مشترك بين القمتين: كلتاهما انعقدت وسط ظروف وتحديات مصيرية ومن العيار التاريخي الثقيل.

ما عدا ذلك، المفارقات صارخة وعديدة. يومذاك في 1967، كان على جدول الأعمال بند واحد. فيما على أجندة هذه القمة بنود عديدة. في ذلك الوقت، كان التعاطي مطلوب مع هجمة واحدة وهزيمة واحدة، ناجمة عن عدوان اسرائيلي واحد. اليوم مطلوب التعامل مع هجمات وهزائم، من الخارج كما من الداخل. وكلها مفتوحة على كوارث.

قمة ذلك الزمن قدرت، بالرغم من خطورة الهزيمة ومرارتها، على تجاوز الخلافات ولم تكن بسيطة، كما على ـ وهذا هو الأهم ـ اتخاذ القرار الموحَّد وإعلان التضامن الكامل في الموقف، لرفض العدوان وعدم الرضوخ لشروطه؛ بقطع النظر عما آلت اليه تلك اللاءات بمعايير الزمن الراهن.

ما تشهده المنطقة الآن؛ لا يقل خطورة، إن لم يكن أخطر، مما شهده عام 1967 المشؤوم. بالرغم من ذلك تبدو قمة الخرطوم 2، في وضع آخر مختلف تماماً عن الخرطوم 1. الحضور هابط وبدرجة ملفتة.

جدول الأعمال مفتوح ومرتبك. الأولويات غير حاسمة، الحساسيات حكمت أن تبقى بعض البنود خارج الجدول. أو أن يصار إلى مناقشتها على هامش المؤتمر. الاستقطابات والتجاذبات فضلاً عن الألغام والمطبات، سائدة بصورة طاغية على أجواء القمة.

كل ذلك جعلها تبدو وكأنها ليست في المستوى المطلوب. كما جعل التوقعات، حول قراراتها، متواضعة جداً. والخطر أن مثل هذه الحصيلة من شأنها أن تزيد من انكشاف الوضع العربي وساحاته. خاصة المشتعلة منها.

أو المرشحة للاشتعال والقائمة طويلة. تمتد من دارفور إلى الرافدين، مروراً برام الله وبيروت ودمشق. وأمس التحقت مقديشيو بالقافلة. ناهيك عن الملفات الاقليمية الأخرى وما استجد فيها من تحولات تترك علامات استفهام كثيرة. خاصة تلك المتعلقة بحوارات حول قضايا عربية من دون مشاركة العرب فيها.

لا شك أن التلبّك الذي تعيشه أجواء القمة يعود في أساسه إلى الحال الذي بلغته الخلافات العربية. ومن المؤسف أن تكون هذه الأخيرة على ما هي عليه في الوقت الذي باتت فيه التحديات والأخطار، تلامس نخاع العظم، في أكثر من ساحة من ساحات المنطقة المستهدفة أكثر من أي وقت مضى وبالجملة.

والعقدة المستحكمة الآن هي أنه من المتعذر الوقوف بوجه هجمة الخارج واحتلالاته وأجنداته، طالما استعصى ـ حتى الآن ـ التغلب على صراعات الداخل وتسويتها.

الواقع أن هذه الأخيرة تواصل تفاقمها وتسير باتجاه المزيد من التأزيم والتعقيد. وبالتالي صار على القمة الانشغال بهموم الداخل وعلاجها كشرط لا غنى عنه، للتحصن ضد الخارج المواصل هجومه. والقمة يدها قصيرة في هذا الخصوص.

المشكلات تفوق قدرتها. ومن هنا الدوران في الدوامة، التي يحتاج أهل القمة الى ابتداع الوسيلة الناجعة لكسر الحلقة وإلا بقيت مخنوقة بهموم ربعها.