وكما كان متوقعاً، قدمت مصر طلب تجديد فترة الصديق عمرو موسى لخمس سنوات أخرى، كأمين عام للجامعة العربية، وذلك ليكون على جدول أعمال قمة الخرطوم في آخر الشهر الجاري، وهو طلب جاء بناء على اتصالات تمت خلال جولات الرئيس حسني مبارك في الفترة الأخيرة، من أجل ضمان الإجماع.

وليس في ذلك مفاجأة في غياب أي تحرك آخر، وفي وجود رغبة من الأمين العام لمواصلة عمله، بعد أن أنهى خمس سنوات أظهر فيها حماساً وحيوية تلفت النظر، وأظهر فيها أيضاً بأنه شخص صاحب قناعات وله منظور ليس بالضرورة ينال الترحيب الجماعي من الدول الأعضاء.

وله اجتهادات قد لا تنسجم تماماً مع مواقف وتحليلات بعض الدول، ولذلك صار مثيراً للجدل أكثر من الأمناء الذين سبقوه، وهذه طبيعة الأمور، فمن لا يسير مع النهج المعهود يسبب إرباكات ويثير التساؤلات.

وأود هنا أن أبدي بعض الملاحظات:

أولاً: لا شك بأن الأمين العام تحرك بقوة لرسم طريق من أجل تعزيز العلاقات العربية وتوثيق روابطها، ورافق ذلك النشاط تقديم هيكل ومجسم يحتوي على آليات وتنظيمات وهيئات لاحتضان هذه الروابط التي يريدها بين الدول العربية.

ومشروع السيد عمرو موسى أقرب إلى بناء اتحاد كونفيدرالي فيما بين الدول العربية، فيه توافق في الدبلوماسية وتلاقٍ في الأمن، ومصالح في التجارة، ويمثل هذا المشروع قفزات بعضها ممكن وبعضها غير ضروري.

وبعضها سابق لأوانه، لكن المشروع وليد طموح وآمال تذهب أكثر مما يدعو له الميثاق، الذي ينظم العلاقات بين دول عربية مستقلة وذات سيادة ويدعو إلى التضامن عبر التوافق، وإلى تنسيق المواقف عبر التفاهم، وليس بواسطة آليات لم يأت بها الميثاق.

ونلاحظ أن الاتساع في هذه الآليات أفرز محكمة عدل عربية، لن يلجأ إليها أحد، ولن تكون بديلاً عن محكمة العدل الدولية ذات التراث والشفافية، وستكون جهازاً ديكورياً وعبئاً إدارياً ومالياً، وجهازاً آخر هو مجلس الأمن الذي يتكون من بعض الدول وحسب الضوابط المقترحة.

وأكبر مشكلة تواجه الدول العربية هي التوترات الداخلية الناتجة عن الصراع الطائفي والعرقي والأيديولوجي مثل حالة السودان وحالة العراق وحالة لبنان.. كمثال لا للحصر، ولا أعرف الكيفية التي سيعالج بها مجلس الأمن هذه الأورام.

ولا أتصور بأن أحداً سيأخذ المبادرة لمناقشة أوضاع دارفور أو حالة الأكراد مثلاً، لأن الدبلوماسية العربية معروفة بالنفور من المواجهة والاستسلام للمجاملة والحياء.

ولا أعتقد بأن أحداً سيثير الاعتراض على سلوك إحدى الدول سواء في ممارستها الداخلية أو في دبلوماسيتها الخارجية، فلم يعترض أحد على العلاقات بين بعض الدول العربية ودول الجوار مثل السودان وأوغندا، والسودان وأريتريا.

وأعتقد أن الجامعة العربية ستكون أكثر رشاقة وأكثر فعالية دون إثقالها بهيئات تذكرني بالمجلس العسكري التابع لمجلس الأمن الدولي الذي يتشكل من رؤساء الأركان في الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، الذي لم يجتمع قط.

ثانياً: تابعت مراحل ولادة البرلمان العربي الذي يترأسه النائب الكويتي الطموح محمد الصقر، وأجد بعض السيريالية في هذا الكيان الذي يتكون من ممثلي المجالس في الدول العربية مقيدة بلوائح غليظة في تأمين نجاح الموالين والمصفقين والهتافين، أو أنها مرسومة لتأمين أغلبية مريحة للحزب الحاكم أو أنها يافطات زينة لا جدوى منها.

ولا أعرف حجم الاستقلال الذي يملكه رئيس المجلس النائب محمد الصقر، هل يملك صلاحية وضع دارفور ومناطق التوتر وحقوق الإنسان في العالم العربي، أم أنه برلمان لمؤازرة المعسرين من الدول العربية.

وبكل صراحة أردد إعجابي بجهود الأمين العام الصديق عمرو موسى الذي استطاع استخراج هذه الهيئات خلال هذه الفترة القصيرة، والتي ليست عاجلة ولا تضيف إلى جوهر العمل، ومن المؤكد بأن خروج هذه المؤسسات جاء بسبب إتقان الأمين العام فن تشييد البيئة المهيئة لولادة هذه الكائنات الضخمة.

ثالثاً: الأهم في العلاقات العربية هي ترابط المصالح وبناء شبكة المنافع التي تأتي بالتلاحم الذي نبحث عنه، فالتجارة ورفع القيود على انسياب البضائع.

وبناء مؤسسات استثمارية حديثة، وإزالة القيود مع انفتاح جدي وصادق في الترحيب في الاستثمار، ربما هي الوصفة التي تبحث عنها الجامعة التي تحتاج إلى مشروع الاتحاد التجاري والمالي بين الدول العربية.

وأتصور أن الأمين العام يفتقر إلى نائب متخصص ومتفرغ لبناء هذا المشروع الذي يقرب بين المتباعدين ويجسر الفجوات، ويوفر التداخل العربي الذي نريده عن طريق المصالح والمنافعية.

كنا في الأردن في الأسبوع الماضي في ندوة عن الأردن والكويت، العلاقات التجارية والاستثمارية، وكان جوهر المداخلات هو بناء نموذج أردني ـ كويتي في الشراكة الاستثمارية يكون نهجاً للعلاقات العربية.

وخلاصته الاستقلال ضمن الاعتماد المتبادل لأن الكل يريد الحفاظ على استقلاله وعلى هويته ومصالحه ويتم ذلك في حوض تجاري واستثماري واقتصادي مريح للجميع ويستفيد منه الجميع.

رابعاً: أشعر بغياب الحماس للآليات المقترحة بسبب ضبابية المسؤوليات واستحالة المبادرات، وسيطرة المجاملات، وعدم لياقة بعض هذه الآليات، وربما حضورها قبل الأوان.

والخوف أن تخرج هذه الكيانات الكبيرة إلى الحياة بدون قناعات وتبقى عبئاً كمعلقات ومعطلات، وربما تولد الضجر والإحباط لأن نظام الأولويات الذي وضعته الجامعة مثار خلاف.

أتذكر في أحد اللقاءات مع الأمين العام الأستاذ عمرو موسى قلت له بأنني لا أشعر بأية رابطة مع إحدى الدول العربية والعكس صحيح، وأشعر بأن ايطاليا تدعم مصالحي وتلتقي مع مرئياتي أكثر من بعض الدول العربية، لأن قانون المصالح متوفر في العلاقات مع أوروبا وغير موجود مع عدد من الدول العربية.

وأخيراً إنني من الداعين إلى تدوير المنصب لا احتكاره، فلن تكون الجامعة بيت العرب وأعلى منصب فيها محجوز لدولة واحدة.

ومع كل هذا الاختلاف لا أشك بإخلاص ونقاوة النوايا وسخاء الجهد، والشطارة والتحرك، وكلها عناصر أهلت الصديق عمرو موسى لفصل ثان في حياة الجامعة، ففي الفصل الأول كان الأمين العام يرتاح في مناخ الشام وحوض النيل ويمكن لنا أن نراه مرتاحاً برفقة مناخ أهل الخليج.

وتهانينا لصديق ظل محارباً في كل فصول حياته.

كاتب كويتي