عانينا كثيراً نحن العرب من أن الخيمة التي تحتضننا صارت ضيقة للغاية، لدرجة انها لم تعد قادرة على استيعاب خلافاتنا التي ظهرت جلية وواضحة للآخرين الذين باتوا يقرأوننا جيدا، ويعرفون خطواتنا ومواقفنا وسياساتنا قبل ان نتخذها واستغلوا ذلك بصورة كبيرة في إحكام سيطرتهم علينا.

ومواصلة تعاملهم، مع قضايانا المصيرية بأسلوب فوقي وبطريقة جعلت حقوقنا المشروعة، عرضة للمزايدات والمساومات والصفقات الأمر الذي يعقد عملية استرجاعها.

داخل هذه الخيمة، يتصارع اللاعبون من دون سبب، ويتجادلون بلا هدف، ويتخاصمون بلا داع، ويتجاهلون التحديات الحقيقية التي تحيط بهم، ويستقوون بالغرباء على الأشقاء ظنا منهم بان هذا الأمر يحقق المصلحة، رغم انه الخطوة الأولى نحو الهاوية.

داخل هذه الخيمة أيضا، تتعدد الأهداف والرؤى إلى حد التناقض.

وتكثر الاتهامات المتبادلة بين مختلف الأطراف، ويغيب صوت العقل ليفسح المجال للغة الفوضى، التي تثير الشكوك وتنشر الضباب حول مجالات العمل المشترك الذي يدفع بمفرده ضريبة «اختلاف الأشقاء».

في هذه المناخ المضطرب بخلافاتنا والمزدحم بمشاكلنا وقضايانا المعقدة من العراق إلى فلسطين إلى الاصلاح والتغيير، تأتي القمة العربية التي ستنطلق يوم غد الثلاثاء في الخرطوم التي يعود اليها القادة العرب بعد نحو 40 عاما على قمة «اللاءات الثلاث الشهيرة التي عقدت في عام 1967 والتي أعلن في ختامها انه «لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف» بإسرائيل.

لكن بالتأكيد الزمن لن يعيد نفسه، والظروف تغيرت «دولياً وعربياً» إلى حد كبير، ومن ثم فان القمة لن تطلق أي «لا» بل ستقرر ان «السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب» وستدعو إلى «اعتماد مبادرة السلام العربية كأساس للسلام العادل والشامل في الشرق الأوسط إلى جانب خريطة الطريق».

وبعيدا عن هذا كله، يجب بالفعل ان نستغل هذه القمة لمعالجة الاشكاليات العربية التي أصبحت معقدة للغاية، وخاصة تباين المواقف والسياسات والتوجهات التي تعتبر المسؤول الأول عن كافة المشاكل التي تواجهنا الآن، وكذلك الاحباطات والاخفاقات الكثيرة التي منينا بها، أثناء سعينا نحو التوحد والاندماج وتفعيل العمل العربي المشترك.

اننا نريد ان نرى تعاملاً واقعياً مع الكثير من القضايا التي تطرح نفسها الآن والتي يأتي على رأسها الضغوط التي تمارسها أطراف دولية وعربية على حركة حماس.

من اجل تقويض ما حققته في الانتخابات التشريعية الأخيرة، عبر مطالبتها بالاعتراف بإسرائيل التي لم تقم بأية مبادرة تدل على حسن النية، بل تتعمد ليلا نهارا العدوان على الشعب الفلسطيني وتدمير الاتفاقات الموقعة في السابق، وضرب عرض الحائط بكل قرارات الشرعية الدولية.

اننا نريد من هذه القمة ان تكون حصنا قويا يحمي الاختيار الفلسطيني الحر، ويتصدى لكل المحاولات الرامية إلى معاقبة شعب على خياره الديمقراطي الذي تم في مناخ من الشفافية والوضوح ومن دون تزوير لإرادة الناس كما تشهد أماكن أخرى كثيرة في العالم العربي.

أما بالنسبة للعراق وما يحدث فيه، فاننا نريد من القمة ان توجه رسالة قوية إلى الشعب العراقي، مفادها ان الدول العربية لن تقبل ابدا انزلاق هذا البلد العربي والذي كان له دور مؤثر في الحياة السياسية والثقافية العربية على مدى عقود طويلة، إلى اتون حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس وتدمر ما بقي من بنيان الدولة العراقية، الأمر الذي يصب في النهاية في مصلحة أعداء هذه الأمة..

نريد ان يعرف العراقيون اننا لا نتفرج على محنتهم، واننا نقف وراءهم بكل ما نملك حتى يخرجوا منها في وقت قريب، ويستعيدوا سيادة بلادهم المفقودة وأمنهم الضائع واستقرارهم الذي تضربه أمواج العنف والإرهاب، التي تستهدف تفتيت هذا البلد إلى جزر صغيرة، حتى يغيب إلى الأبد عن خريطة القوى العربية المؤثرة.

أما بالنسبة لملف التغيير والإصلاح، فينبغي ان يكون هناك قرار حقيقي بالمضي في هذا الطريق، من دون ضغط او تدخل من احد، لان التغيير المفروض من الخارج لن يصب في صالح هذه الشعوب المتطلعة إلى مزيد من الحرية والديمقراطية والحرية في الاختيار، وإنما سيكرس أوضاعا سياسية ثبت انها لم تقدم شيئا إلى الأمة منذ عقود كثيرة.

هذه كلها استحقاقات مطلوبة من قمة العرب في الخرطوم، والأمة العربية تنتظر تحقيقها، و هذا بالتأكيد لن يتم الا اذا كان لدينا الإرادة الحقيقية لانجاز هذا العمل على نحو متكامل وحقيقي بعيدا عن البيانات البلاغية الفارغة من المضامين الحقيقية و التي كانت ولاتزال المشكلة الاساسية في تعثر العمل العربي المشترك.

نعتقد ان الوقت لم ينفد بعد لإصلاح أحوالنا، بل ان الأمر يتطلب فقط، العمل الجدي لعلاج تباين المواقف، والاتفاق على ان العمل المشترك، هو السبيل الوحيد لاستعادة الهدوء داخل الخيمة.