في الرواية الرسمية المتداولة، فان فكرة الجامعة العربية كانت حلما يراود مخيلة أمينها العام الأول عبدالرحمن عزام. لم يتح لأجيال من العرب أن يعرفوا حقيقة هذا الحلم الذي داعب عزام .
وتفاصيله، بالأصح لا ندري ما هي الرؤية المستقبلية التي كان يفكر فيها الرجل عندما فكر وعمل من اجل خلق الجامعة العربية. لكن المؤكد هو أن الجامعة العربية كمؤسسة وإطار إقليمي هي ثمرة أحلام سياسية أكثر من أي شيء آخر.
لكن الاتحاد الأوروبي الذي يشار إليه اليوم كنموذج للوحدة الإقليمية والقوة الاقتصادية أيضا، جاء بعد ميلاد الجامعة العربية بسنوات لكنه نشأ بدوافع مختلفة تماما: من الاقتصاد والتجارة والسوق.
لقد كانت جمعية الفحم والفولاذ الأوروبية التي تأسست عام 1951 هي النواة التي تأسست عليها فكرة الوحدة الأوروبية. ولسوف يكون الاقتصاد والسوق المقابل على مدى عقود طويلة هو المقابل الأهم للوحدة الأوروبية التي تدرجت وصولا إلى الاتحاد الأوروبي. الاتحاد الأوروبي الذي له مقابل آخر في كل العالم: اليورو.
لقد ولدت الجامعة العربية من رحم السياسة دون ريب فيما ولد الاتحاد الأوروبي من رحم الاقتصاد والأسواق. ولأنها كذلك، فقد اكتسبت الجامعة العربية كل ما في السياسة من نسبية وتقلب وغياب الرؤية البعيدة والأهواء، وظل أداؤها رهنا بتقلبات السياسة والخصومات والمحاور على الدوام.
وليس في تاريخ الجامعة العربية أي أداء بعيد عن السياسة وكل القمم العربية لا تؤرخ إلا بحدث سياسي كبير.ابتداء من النكبة وصولا إلى قمة بيروت عام 2000 ، فان السياسة هي الثابت أما الاقتصاد فهو طارئ وغير أصيل.
لن يفسر هذا الطغيان غير المعقول للسياسة على مؤسسة الجامعة العربية، إلا تلك المسميات والشعارات التي تسبق القمم العربية وكأنها شعارات لحملات إعلانية تطلق لفترة محددة ثم لا تلبث أن تنسى.
وفي الوقت الذي تتراجع السياسة إلى حد انعدام التأثير في قمم الاتحاد الأوروبي، فان القمم العربية هي المختبر الأهم للخلافات السياسية العربية، بل إنها ليست سوى ساحات تكتسب قدراً كبيراً من الإثارة نتيجة لطغيان السياسة فيها إلى حد غير متصور جعل التشويق الوحيد فيها هو خلافات الزعماء العرب وصداماتهم أمام الكاميرات أو خلف الكواليس.
إن قمة بيروت الأخيرة أطلقت مبادرة عربية للسلام، ومن قبلها قمة القاهرة عام 1996 التي أقرت السلام خياراً استراتيجياً للعرب، وقبلها قمم كثيرة لم تبحث ولم تجتمع أصلاً إلا لبحث موضوع واحد طارئ في الغالب وسياسي بامتياز.
وإذا كانت المقارنة مع الأوروبيين تبدو محبطة للكثيرين، فان تجربة دول جنوب شرق آسيا التي أنشأت رابطة «الآسيان» ربما تؤكد أهم مدلول في هذه المقارنة بين المقاربة التي نشأت على أساسها جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
لقد تأسست هذه الرابطة على التعاون الاقتصادي أيضاً، وباتت اليوم كتلة اقتصادية مهمة، وفي كلتا التجربتين، أي تجربة الاتحاد الأوروبي وتجربة دول جنوب شرق آسيا، تم التركيز على الاقتصاد والتجارة وتبادل المنافع على المستوى الإقليمي وتركت السياسة للدول على المستوى الوطني.
فالسياسة أكثر حساسية من الاقتصاد رغم أنها قائمة عليه وهو محور حركتها وفضائها الذي تبدأ منه وتنتهي إليه. الجامعة العربية كانت على الدوام على العكس من ذلك تماما. الآن يتعين تصحيح هذا الخلل، لكن ربما يكون الوقت متأخراً قليلاً وستكون المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.
لقد بدأت الأصوات تنادي في السنوات بضرورة إيلاء الاقتصاد والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية الأولوية في عمل الجامعة العربية على حساب السياسة، لكن الثمار ماتزال قليلة. الأبعد من هذا يبدو طريق التعاون الاقتصادي طويلا ومليئا بالمصاعب.
مازال السباق يدور بين السياسة والاقتصاد عندما يتعلق الأمر بالجامعة العربية كاطار اقليمي عربي لم يملك أي فعالية على مر عقود الا حضورا بروتوكوليا لانه لم يبن على المصالح. ربما تتملك الدهشة الكثير من العرب عندما يرون كيف تحترم الحكومات الأوروبية قرارات البيروقراطيين الموجودين في بروكسل .
وهم يقررون السياسات والمقاييس التي يتعين على كل دولة عضو ان تتبعها. السبب بسيط: ان هذه القرارات تتعلق بالمصالح، اي بالاقتصاد اي بعبارة اخرى ما تعمل من اجله السياسة.
لكن دعونا نطرح تساؤلا اخر: هل من الضروري ان تكون الديمقراطية شرطا او عاملا مهما لنجاح التعاون الاقليمي؟ هل يقدم نموذج الاتحاد الأوروبي او نموذج دول الاسيان تأكيدا من نوع ما على هذا؟.
هذا وقت الاصلاح، والقبول بما تقترحه تجربة الاوروبيين ودول جنوب شرق اسيا ليس فيه اي افتعال او لي للحقائق، فالديمقراطية والحكم الرشيد من شأنه ترسيخ الواقعية والعقلانية التي تدرك حتما ان المصالح الاقتصادية وتبادل المنافع هو المدخل الصحيح لوحدة سياسية تنمو بشكل طبيعي يعطيها حصانة اكبر وقدرة على الثبات والنمو في المستقبل.
كاتب بحريني