لعلني ابتدئ الحديث حول الطموحات العربية المعقودة على قمة الخرطوم، مما يجعلني أتساءل عن الفاعل أي الذي يعلق الآمال على هذه القمة. هل هي الأنظمة السياسية العربية أم شعوبها لأن طموحات الطرفين ـ كما يبدو لي ـ ليست متجانسة أو لعلها متعارضة في اغلبها.

وبخصوص تلبية القمة العربية للطموحات المعقودة، تأتى الإجابة واحدة من كلا الطرفين رغم ما بينهما من تعارض في الطموحات فيبدو الأمر وكأنه مفارقة عجيبة لأول وهلة بينما هو ليس كذلك. فبالرغم من أن لا احد من الطرفين يتوقع من القمة أن تلبي شيئا من الطموحات إلا ان لكل طرف مبرراته.

فرغم أن الطرفين يتفقان ضمنيا على عدم تلبية هذه القمة لأي طموحات إلا أن لكل طرف مبرراته في عدم التفاؤل، فالغالبية العظمى من الجماهير العربية لا تعير اهتماما للقمم وبالتالي فإن سؤال الآمال المعقودة والطموحات لا يدور في ذهنها أصلا.

فقد وصلت بحكم تجربتها المريرة إلى يأس مطلق يتساوى مع تقنية القانون العلمي. ولذا فإن هذا التساؤل بالنسبة إليها هو بمثابة افتئات على الحقيقة وتسفيه للعقل. فالأوضاع العربية تسير من السيئ إلى الأسوأ منه. فمؤتمر بيروت قدم وثيقة الاعتراف الجماعي بإسرائيل فلم تكترث بها هذه الأخيرة.

ولم يحل دون احتلال العراق رغم أن ذلك لم يكن مستحيلا، فالأراضي والمياه والأجواء العربية هي التي جعلته ممكنا رغم معارضة المجتمع الدولي. ولم يطرأ شيء بعد قمة الجزائر سوى الاعتراف باحتلال العراق وشرعنة نتائجه واعتبار المشاركة في مقاومته جريمة عقوبتها الإعدام في المحاكم العسكرية العربية.

بينما لم يتجاوز رد الفعل على رفض إسرائيل لوثيقة الاعتراف الجماعي، حد القيام بدور الوسيط المحايد بين الاحتلال الإسرائيلي وهمجية القرون الوسطى وبين مذابح وبؤس الشعب الفلسطيني المحاصر الجائع.

ولم تشهد الأوضاع الداخلية سوى المزيد من التضييق والعنف من جانب بعض الأنظمة مستفيدة من أجواء الحرب التي أعلنها الغرب ضد الإرهاب. فمثل هذه الحصيلة من النتائج لآخر القمم العربية تدفع الأغلبية إلى عدم الاكتراث بقمة الخرطوم، وإذا كان ثمة تساؤل فلن يكون حول الطموحات، بل حول التنازلات.

فهل ثمة شيء باق يمكن التنازل عنه، باعتبار أن القمة لا تنجح في الالتئام إلا بتشجيع من القوى الخارجية. وهذه القوى لديها مطالب محددة وملحة بخصوص الأوضاع في العراق وفلسطين ولبنان ودارفور وإيران.

فمعظم الأنظمة العربية لا يزال بإمكانها ـ في نظر هذه القوى ـ أن تقدم أكثر مما ذهبت إليه في الشأن العراقي، فتبعث بقوات عربية لمساعدة الحكومة العراقية ولمنع الحرب الأهلية وتقسيم العراق.

وهي قوات ليست مطلوبة لفاعليتها العسكرية بل كتجسيد لموقف سياسي ضد الإرهاب ولنزع الشرعية عن أي نوع من المقاومة وللانغماس الكلي جنبا إلى جنب مع قوى الاحتلال لمعالجة الأوضاع دون المساس بأهداف الغزو ومكتسباته، ولاشك أن احتمالات الحرب الأهلية وتقسيم العراق تعد حجة شرعية ومدخلا معقولا لمثل هذا التوجه.

أما بخصوص الوضع الفلسطيني بعد وصول حماس إلى السلطة فالمطلوب هو ممارسة أقصى ضغط ممكن وغير معلن ضد حكومة حماس والتهديد بالتخلي عن دور الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل، إن لم تلتزم حماس بكل الاتفاقات .

وتعلن اعترافها بإسرائيل وقبولها للمفاوضات السياسية كخيار وحيد للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني في مقابل تقديم بعض المساعدات المالية والإعلان رسميا وظاهريا بضرورة احترام الإرادة الفلسطينية في اختيار ممثليها.

هذا إلى جانب إعادة التمسك بمبادرة قمة بيروت. بينما المطلوب بالنسبة للملف السوري اللبناني هو ممارسة الضغط على سوريا لضبط حدودها أكثر فأكثر مع العراق.

والتقليل من حرارة علاقاتها مع إيران وحزب الله إلى جانب التعاون مع لجنة التحقيق الدولية غير انه في مقابل ذلك هناك إعلان واضح عن ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية .

وهذا البند الوحيد الذي يحظى بالإجماع لا ينصرف في معناه إلى سيادة الأوطان المنتهكة والمحتلة والواقعة تحت الحماية، بل ينطبق حصرا على النظام وعدم التعرض لها من قبل القوى الأجنبية، على اعتبار أن القوى الداخلية هشة وفاقدة لروح الفعل الجماعي والحكومة كفيلة بها وواثقة من هزيمتها.

هناك بند آخر لن تخلو منه قرارات القمة وهو ضرورة جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل ورغم أن النووي الإسرائيلي ليس هو الهاجس الحقيقي لأغلبية المؤتمرين إلا انه في حالة ذ كر إيران بالاسم فانه يمكن إيراد اسم إسرائيل منعا للحرج ورفعا للعتب.

رغم قتامة المشهد العربي الذي تنعقد في وسطه قمة الخرطوم إلا أن الإنصاف يقتضي عدم تجاهل الاختلاف بين الظروف التي عقدت فيها قمة الجزائر والظروف الحالية، فهناك متغير لم يكن حاضرا إبان قمة الجزائر التي التأمت والغزو الأميركي للعراق لا يزال في قمة عنفوانه وعنجهيته ومطرقته كانت لا تزال مرفوعة فوق هامات الأنظمة.

هذا المتغير صنعته المقاومة العراقية التي جعلت صانع القرار الأميركي يقلع عن التفكير حاليا عن تكرار التجربة العراقية وهذا بالطبع هدأ من روع الأنظمة وقلل من رعبها .

وأفسح أمامها مجالا للمناورة قد لا تستطيع هذه الحكومات استغلاله نظرا لاختلاف أولوياتها، فتكتفي بمكسب واحد وقد تحقق فتعمل على تعزيزه والتضامن حوله في مواجهة الغرب، الذي لم يعد بدوره راغبا في نشر الديمقراطية بالقوة طالما أنها لا تأتي إلا بخصومه الأيديولوجيين وأعداء مصالحه واستراتيجيته في المنطقة.

لا نعتقد أن أعمال هذه القمة ستختلف عن قمة بيروت والجزائر، فستكون هناك إعلانات تضامن لترضية هذا القطر أو ذاك بخصوص قضية أو أخرى وهي إعلانات ليست برسم التنفيذ. كما ستصدر مناشدات موجهة إلى الخارج تدعو إلى احترام كذا وعدم المساس بكذا والعمل من اجل كذا وهي سنة حميدة لا يضار متبعوها .

وليست عليهم تبعاتها، بينما سيحظى هيكل الجامعة العربية ببعض القرارات التي ستبقى تحت رحمة أمزجة بعض الحكومات وحسابات مصالحهم طالما إرادة شعوبهم غائبة.

لقد درج بعض الإعلاميين العرب على وصف مقررات القمم العربية بأنها ابعد ما تكون عن توقعات الجماهير العربية ولا نظن أن هذه القمة ستكون استثناء عن غيرها ولن تكون التي ستأتي بعدها أيضا طالما أن إرادة أصحاب الطموحات والتوقعات هي الأدنى و طالما بقيت اللعبة محصورة بين مصالح بعض الحكومات ومصالح الغرب.

لقد عقدت قمة الخرطوم الأولى في ظل هزيمة عسكرية ماحقة غيرت من مجرى تاريخ المنطقة، ولكن طبيعة النظام الدولي آنذاك منحت المؤتمرين فسحة للمناورة فأسموها قمة اللاءات الثلاث أما في هذه المرة فيعود العرب إلى الخرطوم بعد تسع وثلاثين عاما وليس في نيتهم أن يستخدموا أية أداة للنفي أو للتوكيد في أية جملة مفيدة من القرارات التي يجمعون عليها.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي