قطع الرئيس الأميركي جورج بوش الطريق على المطالبين بوضع جدول زمني لانسحاب قواته من العراق، أبقى الباب مفتوحا على تواجد عسكري أميركي طويل الأمد، لأن إنجاز المهمة وتحقيق «النصر الكامل» يحتاج إلى «رؤساء أميركيين آخرين.
وحكومات عراقية أخرى «على حد تعبيره، رغم انه كان يحاول التخفيف من الصورة الضبابية التي تعكسها وسائل الإعلام بما فيها الأميركية لحقيقة ما يجري في الساحة العراقية من أعمال عنف يومية.
ثلاث سنوات مرت على بدء الغزو الانجلوأميركي لبلاد الرافدين، انقلبت فيها مبررات الحرب أكثر من مرة، ومع ذلك تتمسك الإدارة الأميركية بصحة موقفها، وعدم الاعتراف بالخطأ.
وإن تراجعت بعض الأصوات التي تحمست للعمل العسكري قليلا عن موقفها أمام الوقائع التي افرزها الواقع العراقي بتعقيداته التي استدعت قيام بوش بحملة علاقات عامة واحدة تلو الأخرى لوقف انهيار شعبيته.
مخاوف الانزلاق إلى أتون حرب أهلية، والديمقراطية التي أصبحت الهدف الأخير للحرب، على كف عفريت، لكن بوش متفائل ولا يزال يرى أن العملية تتقدم، ولا أحد يسال على أي أساس بنى الرجل تفاؤله؟
عمليات القتل والتفجيرات الدموية لا تتوقف، والقوات الأميركية تضطر إلى شن الحملات الكبرى لمطاردة مسلحين يبدو أنهم أشباح، من دون ان تمنع تلك العمليات مخاطر الهجمات الطائفية التي كاد واحد منها في سامراء يعصف بالعراق في خضم بحر الظلمات.
واقع العراقيين بعد ثلاث سنوات من دخول الأميركيين، لا يسر أحدا، والشكوى من الفوضى الأمنية، والتردي المعيشي، وفقدان الثقة في المستقبل، والخوف من المجهول، قواسم مشتركة وسط العراقيين،الذين يتحدثون ليل نهار عن معاناتهم التي لا تتوقف.
فالخروج إلى الشارع مخاطرة وتدبير لقمة العيش أكثر خطورة، والرعاية الصحية مفقودة،والحياة في ابسط صورها حلم بعيد المنال، رغم الوعود الأميركية بالسمن والعسل!
المخاطر إذن لا تزال تراوح مكانها، والمأزق، لم يعد خافيا حتى على الأميركيين أنفسهم، وهو ما يفسر قبول واشنطن لفتح حوار مع طهران، عله يكون مخرجا، وطريقا لإعادة الاستقرار، وتجنيب العراق شبح الحرب الأهلية.
تكثيف واشنطن ضغوطها على القادة العراقيين للإسراع بتشكيل الحكومة، إلى جوار السعي للحوار مع إيران، وجهان لعملة واحدة، تعكس في جوهرها، الوضع المأزوم، وان كابر البعض، وادعى البنتاغون أن كل شيء تحت السيطرة.
صحيح أن الاهتمام بما يجري في العراق على الساحة الدولية لم يعد بذات الزخم الذي كان عليه في العامين الأولين من بدء الحرب، ورأينا كيف تراجعت التظاهرات الشعبية التي نظمها دعاة السلام والمطالبون بالانسحاب الأميركي في العديد من العواصم إحياء لذكرى الغزو الثالثة، لكن ذلك لا ينفي أن المخاطر لا تزال قائمة.
وان العراق في حاجة إلى مخرج يعيد الأمل إلى أبنائه أكثر من الخطب الرنانة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي سقطت في الاختبار الأول داخل سجن أبو غريب.
شعبية بوش في تآكل، إن لم يكن انحدار من يوم إلى آخر، لكن الرئيس الأميركي لا يرى بذات العيون التي ينظر بها المحللون إلى حقيقة ما يدور.
ويصر على تحقيق النصر الكامل، لكن على يد غيره من الرؤساء الأميركيين القادمين، وبما يدخل إنجاز المهمة دائرة الغموض لأننا عرفنا بدايتها ولا نعلم نهايتها، وتلك هي المعضلة التي تواجه بوش وإدارته.