قل هو أمر لا بد منه في كل عصر، وهو في الواقع أمران فإما أن يكون استمراراً لحرب مشتعلة أصلاً بين فريقين أو أكثر، ولكن بوسائل أخرى عكساً للمقولة الشهيرة للمنظر الغربي الشهير ـ كلاوسفيتزـ «الحرب استمراراً للسياسة بوسائل أخرى».

أو هو وسيلة متقدمة لمنع قيام حرب إذا ما اشتعلت قد تسفر عن فواجع وكوارث لا تبقي ولا تذر، وقد تترك آثاراً من الصعب معالجتها بالوسائل التقليدية المتوفرة إن فشل الحوار في ردعها.

في العراق المستنزف كما في لبنان الممتحن كما في فلسطين الذبيحة دائماً ثمة من طاولة حوار قائمة رغم كل الدخان المنبعث.

الحوار الأميركي ـ الإيراني المعلن عنه أخيراً والذي قيل إنه بشأن العراق أو حول العراق أو على العراق، أو استمرار لما هو قائم أو حاصل أو محيط بالعراق، هو أيضاً لا يختلف شأنه عن شأن أي حوار آخر عبر التاريخ!

الذين أعلنوا معارضتهم لأي حوار أميركي ـ إيراني حول العراق بذريعة أن ذلك يشكل شرعنة للتدخل الإيراني القائم في العراق سرعان ما سيكتشفون أن مساعيهم المعارضة لمثل هذا الحوار لن تجدي نفعاً لهم، بل ربما سيتم استغلال هذا الجهد أياً كانت نواياه حسنة .

ومهما كانت أسبابه صادقة في الدفاع عن حرية العراق واستقلاله، في خدمة هذا الطرف أو ذاك من طرفي الحوار بمعنى انه سيوازن كفتي الحوار لمصلحة من هو الأقدر على استغلاله واستثماره!

«فالحوار» قائم هو أصلاً حتى وإن لم يعلن عنه، والطرفان المتنازعان المتخاصمان موجودان أصلاً على الأرض رأينا ذلك أم لم نره، والمتدخل الأكبر في العراق معروف أصلاً بقواته وأعماله وممارساته.

ولا يجوز شرعنة تدخله من خلال التلهي بالحديث عن المتدخلين الآخرين مهما كان حجم تدخلهم، لا سيما أن تدخلهم لم يكن ممكناً أصلاً من دون التدخل الأكبر والأهم والأساس.

المهم أن يعلن المعارضون لهذا الحوار هو من حقهم الذي لا يستطيع أحد مساومتهم عليه، ماذا يريدون من الطرفين المتحاورين، الآن وقد وصل خصامهما ونزاعهما وتداخل نفوذهما إلى طاولة الحوار؟

إضافة إلى تنبيه المتحمسين لهذا الحوار من بني جلدتهم بل وتحذيرهم من مخاطر أن يكون هذا الحوار أو طاولة الحوار هذه مجرد «استراحة محارب» استعداداً لإطلاق حرب أخرى، وهو ما يعتقد البعض بأن الطرف الأميركي إنما أعلن عنه وهو في نيته مثل هذه الأفكار.

والمهم أن يتم وضع مبادئ عامة لأي متحاورين آخرين حول العراق أو بشأن العراق، أو على العراق، قد تكون أبرزها بل وأولها الجدولة الزمنية الواضحة لقوات الاحتلال متعددة الجنسية، وإعادة السيادة والاستقلال لأهل العراق والحرية الكاملة لشعبه، وعندها فقط لن يستطيع أحد أن يمرر مشاريع تدخله المعلنة أو مشاريع تدخله المبطنة.

والأمر لا يمكن أن ينجح إلا من خلال وحدة وطنية عراقية راسخة تمنع تسلل الأجنبي وكل من يبطن السوء للعراق من التدخل مجدداً في شؤونه.

بمعنى آخر فإن الأجدى والأكثر فائدة ونفعاً اليوم هو أن نحذر مما يعد عملياً من حروب مذهبية وطائفية، وأهلية بل وحروب إقليمية جديدة باسم الحوار ومن تحت طاولة الحوار، بدل أن نتلهى وننقسم بين موافق ومعارض للحوار.

تماماً كما فعلوا من قبل بين مكونات الشعب العراقي حول الاشتراك أو عدم الاشتراك في العملية السياسية والانتخابات إلى أن وصل بالبعض ممن كانوا من أشد المعارضين لمبدأ الانتخابات إلى قبولهم للعملية السياسية والاشتراك بالانتخابات مقابل ضمانات قطعية يقدمها المحتل والغازي.

بل إن البعض ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أعلن ومن على شاشات التلفزة بأن لا تتم مهاجمة القرى والبلدات وألا يجري مزيد من المداهمات التي تقوم بها قوات الشرطة والجيش العراقي إلا برفقة القوات الأميركية!!!

باختصار شديد، فإن ثمة من يتخوف أن يكون وراء دعوة الأميركي اليوم لإيران للتحاور حول العراق أو بشأن العراق أو على العراق فخ ليس فقط للإيقاع بإيران في مستنقع العراق، بل والإيقاع بالعراقيين أنفسهم في فخ الانقسام والتمزق والتشتت.

إيران من جهتها أيضاً مطالبة أكثر من أي وقت مضى لقول كلمتها واضحة وصريحة لا لبس فيها حول الاحتلال الأميركي والأجنبي للعراق.

وضرورة رحيله في أقرب وقت ممكن ودعم استقلال العراق ووحدة أراضيه ودعم ومساندة الجهود الرامية إلى وحدة أهله الوطنية دون غلبة طائفة على أخرى ولا قومية على أخرى، بل مساندة ودعم كل جهد يمنع نشوء حروب داخلية كامنة.

بالمقابل فإن العراقيين من جهتهم مطالبون أكثر من أي وقت مضى أيضاً بتقديم الضمانات الكافية والواضحة والصريحة ليس لإيران فقط بل ولكل دول الجوار بأن العراق لن يكون مقراً ولا ممراً للتآمر على الأمن القومي لأي من جيرانه.

عدا ذلك فإن أي حوار فهو مفيد شرط أن نعرف ماذا نريد منه وأن يكون مقدمة الاعتراف لحقوق الآخر المضيعة واستردادها، وليس سلب حقوق جديدة أو مقدمة لحروب أدهى وأمر.

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني