عشية قمة الخرطوم، يطرح السؤال مجدداً كما عشية كل قمة عربية وبسبب تراثنا في القمم، هل ستكون قمة عربية أخرى جديدة برقم انعقادها لا غير.
هل سنبقى مع قمم القرارات الإنشائية والخطب البلاغية والصيغ اللغوية التي تلتف حول الاستحقاقات المطلوب مواجهتها أو تمارس الهروب إلى الأمام، هل ستكون القمة موعداً آخر يضاف إلى المواعيد السابقة في دبلوماسية المناشدة والمطالبة.
المطالبة من الآخر بالطبع، والإدانة والتحذير والدعوة للدراسة والمتابعة «بانتظار غودو» القرار، فكأنما العرب هم مجرد أطراف مراقبة لما يجري على أرضهم وباسمهم في كثير من الأحيان.
العالم العربي اليوم صار مسرحاً لصراعات استراتيجيات دولية وإقليمية مختلفة ومتقاطعة فيما غياب الفعل العربي ساطع بعد أن تراجعت بشكل كبير، والبعض يعتقد أنها انتهت إلى غير رجعة، الجغرافيا القومية التي كانت تشكل مرجعية ومصدر تحديد أولويات مشتركة.
واعتراف بواقع وجود ترابط وتداخل بين قضايا العرب ومسائلهم. تراجعت الجغرافيا القومية لتحل مكانها الجغرافيا الاستراتيجية التي تحدد سياسات وأولويات العرب من الخارج طالما أنهم استقالوا من مسؤولياتهم ليبقوا طرفاً متلقياً في أفضل حال.
الخارج الذي يحدد الربط وفك الارتباط بين القضايا والمسائل دون أن يعكس ذلك بالطبع حقيقة الوضع على الأرض وخصوصياته مما يزيد من مصادر التوتر وعدم القدرة على تحقيق التسويات العادلة للمسائل المتأججة.
نقاط اشتعال عديدة ونيران كامنة هنا وهناك تهدد بمزيد من الصوملة في البقاع العربية، والعرب يتعاملون مع هذا الوضع وكأنما الحرائق ستبقى محاصرة محلياً أو كأنما الإطفائي من الخارج قادر أن يحاصر النيران ويمنع امتداداها إلى الجيران.
غياب الاستراتيجية، استراتيجية الحد الأدنى الممكن، وتغييب السياسة أو مصادرتها باسم «المصلحة العليا للدولة أو للأمة» فكأنما الدولة منقطعة عن المجتمع وعن همومه واهتماماته.
وانتشار العقائد المعبرة عن غضب وقلق ومخاوف مشروعة والتي لا تحمل أجوبة عن كيفية معالجة مصادر الغضب والقلق وعن كيفية الانخراط في العالم إلا إذا بقينا على مستوى العناوين العامة، هذا هو المشهد العربي حالياً.
نيران العراق الأكثر اشتعالاً ولو أنها ليست النيران الوحيدة تهدد بتغيير الجغرافيا السياسية والمجتمعية للعرب. ما يجمع بين أزمات المنطقة حالياً، إلى جانب ترابطها بشكل أو بآخر، أنها تعيش حالة اللاتسوية أو وهم التسويات الممكنة، في لحظة انفتاحها على مزيد من التعقيد والتصعيد.
هذا هو المشهد العام أمام القمة العربية التي تعقد في الخرطوم، عاصمة إحدى الدول المرشحة أيضاً للحرائق. فلا داع لجدول أعمال تقليدي مطول أو مختصر يمر عليه المؤتمرون بسرعة موزعين الدعم الكلامي على كل طرف في بنده الخاص.
الدعم الذي لا يلزم أحداً بأكثر من موقف ينتهي مفعوله عادة بانتهاء القمة ويزيد من تضخم أرشيف القرارات المتكررة في جامعة الدول العربية ويزيد بالتالي من أزمة المصداقية، مصداقية كل ما هو عمل عربي مشترك، دعم غير قابل للترجمة إلى سياسة لعدم الرغبة أساساً في ذلك أو للخوف من التورط في السياسة.
عشية القمة يتساءل الكثيرون هل ستبقى الكلمة بديلاً عن الفعل بدل أن تكون مصدراً ومحركاً ومحدداً للفعل. وهل سيبقى الشعار واللغة الخشبية البديل عن السياسات العملية كما تبقى لغة التعميم تعمية عن تحديد المسؤوليات.
المطلوب قمة تطرح سؤالاً واحداً: كيفية الخروج من هذه الأزمة التي تهدد الوجود والمصالح والمستقبل العربي ككل ولو في لحظات مختلفة وبأشكال مختلفة.
طرح السؤال هو المدخل للتعامل الجدي والفعال مع الأزمات العربية والإقليمية التي تعني العرب. إنه المدخل للعودة كطرف فاعل إلى الجغرافيا السياسية ولإعادة إحياء الجغرافيا القومية بمضامين ورؤى مختلفة تحديثية ومعاصرة. فهل تطرح القمة السؤال في وقفة مع الذات، هذا هو السؤال.
كاتب لبناني