يتحدث أيهود أولمرت، هذه الأيام، عن موضوع الحدود بلغة تفيد أنه هو المرجع والمقرر الوحيد في ترسيمها. ليس فقط عن حدود كيانه، التي قال إنها ستكون ناجزة مع حلول عام 2010؛ بل أيضاً عن حدود الدولة الفلسطينية التي رسم خارطتها على شكل كانتونات ثلاثة متقطعة الأوصال.

كذلك هو أوحى بأن حكومته العتيدة القادمة ـ إذا فاز بالانتخابات ـ عازمة على تكريس حدود إسرائيل مع سوريا القائمة الآن على احتلال الجولان؛ وذلك من خلال إطلاقه مشروعاً لتشجيع الاستيطان في الهضبة، بإغراءات ضريبية وعقارية، الأمر الذي يضمر نية تثبيت الوضع الراهن.

خطاب الحدود هذا، قد يكون بتوقيته انتخابياً. فهو يتوجه إلى شريحة وازنة من المجتمع الإسرائيلي، ترتاح لفكرة الترسيم وتستطيب العزف على وتره. وقد يكون رهانه عليها كي تحمله إلى كرسي رئاسة الحكومة، خلفاً لمعلمه شارون.

لكن هذا الخطاب، في جوهره، أبعد من الانتخابات. إنه رسم لمشروع الفصل النهائي؛ بكل ما ينطوي عليه ذلك من نسف لاحتمال قيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة» ومن تثبيت للبؤر الاستيطانية وتأبيد للأجزاء المحتلة، من الجولان إلى الضفة.

فزعيم «كاديما» يتحدث عن الفصل أحادي الجانب علناً. وقد ورث خطته عن سلفه شارون وتعهد بتنفيذها ورحيل الاحتلال عن غزة، رغم الاعتراضات الإسرائيلية، مما يعطي هذه الخطة جديتها. كذلك، تشير الاستطلاعات إلى ترجيح فوز هذا الحزب.

إذن مشروعه يقف الآن على عتبة وضعه موضع التنفيذ، الأمر الذي يفرض طرح السؤال التالي: أين المشروع الفلسطيني المقابل؟

طبعاً كل الأطراف الفلسطينية تقول بحق العودة وحدود 1967؛ وترفض الفصل الأحادي وحدوده؛ ناهيك بدولة الكانتونات. لكن المفقود هو: ـ المشروع الواحد الواضح والحاسم للدولة الفلسطينية ـ الاصطفاف الوطني الفلسطيني الواسع وراءه.

حتى اللحظة، الطرح الفلسطيني ضبابي وملتبس. وذلك تحصيل حاصل لاتساع رقعة الخلافات؛ التي طالت المرجعيات والثوابت؛ فضلاً عن الجدل المحتدم حول البرنامج الحكومي الجديد والذي لم تقو الفصائل على صياغته بصورة وبمحتوى، يسمح بتشكيل حكومة وحدة وطنية. وإذا بقيت الساحة الفلسطينية على هذا الخلاف .

وعدم القدرة على التوافق حول برنامج مرحلي يجمع كل القوى تحت مظلته؛ فكيف سيكون بإمكانها وهي تحمل برنامجين مختلفين، مواجهة برنامج أولمرت الواحد، في فرض الحدود التي رسمها؛ لو حملته الانتخابات إلى موقع القرار؟

الوضع الفلسطيني الداخلي مشغول بأزماته أكثر بكثير من انشغاله بتعزيز جاهزيته للتصدي لمثل هذا المخطط التصفوي. المفارقة، الغريبة والموجعة، إنه بقدر ما يقترب شبح هذا الانقضاض الذي يستهدف الوجود والمصير؛ بقدر ما تتفاقم أزمته وتتعقد إمكانيات التقارب.

ولو التقارب المرحلي الذي تفرضه الأولويات وضرورة ترتيبها؛ على ضوء المخاطر المحدقة بالقضية. فالهجمة الإسرائيلية كاسرة ومستعجلة.

والوقت من ذهب. بل هو أثمن. غداً، الاثنين، تمثل حكومة حماس أمام المجلس التشريعي طلباً للثقة. أكثرية الحركة تؤمن لها الفوز. لكن مثل هذا الفوز لا يكفي لمواجهة الهجمة. كما أن حجب الثقة لا يضمن لأصحابه اجتناب المسؤولية فمشروع الفصل لا يستثني أحداً. الكل مستهدف.

وعلى البيت الفلسطيني المسارعة في ترتيب أوضاعه وتأجيل خلافاته قبل أن يداهمه مشروع الفصل وهو على ما هو عليه من تفكك في الموقف.