من المنشورات الكثيرة التي كانت توزع على جموع طلبة جامعة نانتير هذا الأسبوع يتساءل أحدها بأسلوب تحريضي سافر ولكن معبر قائلا: «كيف تستطيع أن تجد شقة وتبني مستقبلا لنفسك وأنت معرض لفقدان وظيفتك بين ليلة وضحاها»!! وجامعة نانتير التي تقع خارج باريس هي التي انطلقت منها ثورة الشباب الشهيرة قبل أربعة عقود تقريبا وبالتحديد في العام 1968.

وطلبة هذه الجامعة المضربون إنما يمثلون جزءا من حركة إضرابات واسعة أدت في الأيام القليلة الماضية إلى توقف الدراسة في 64 من أصل 84 جامعة، وفي ثلاثة أرباع المدارس الثانوية، وإلى قيام مظاهرات ومسيرات كان أكبرها تلك التي وقعت في السبت الماضي والتي شارك بها حوالي مليون ونصف المليون شخص وامتدت إلى أكثر من 200 بلدة ومدينة فرنسية.

أما سبب ثورة الشباب الحالية فهو قانون جديد تبنته الحكومة القائمة برئاسة دومنيك دوفيلبان يسمح لأرباب العمل بفصل موظفيهم من الشباب «دون السادسة والعشرين» من غير إبداء الأسباب، وهو القانون الذي سمي «عقد العمل الأول» بمعنى أنه العقد الأول الذي يبرمه الشاب في حياته الوظيفية والمهنية.

وكان من شدة حنق الشباب على هذا القانون ان رفع البعض منهم ـ كما تكتب دير شبيغل 17/3 «لافتات كتبت عليها شعارات باللغة الانجليزية في بلد يكره تلك اللغة حتى النخاع»!!

وقد جاء هذا القانون إثر أحداث الخريف الماضي التي اندلعت في ضواحي باريس القديمة والتي كان محركوها هم الشباب من أصول مهاجرة والذين تتوطن بينهم البطالة على نطاق واسع، إذ تصل نسبتها بينهم إلى حوالي 50% والى 20% لباقي الشباب الفرنسي في الفئة العمرية بين 18 ـ 25 سنة،

وكان المأمول من القانون ان يشجع أرباب العمل على توظيف الشباب دون التقيد بالالتزام بهم إن لم يثبتوا كفاءتهم في السنتين التجريبيتين الأوليين ويرى الشباب ان هذا القانون سيكون أداة لاستعبادهم من قبل أرباب العمل،

وتعبر الطالبة ماتليد بيود «20 سنة تخصص تربية ـ تدريس لغة انجليزية» عن مخاوف بنات جنسها من هذا القانون بقولها: «قد نفصل من أعمالنا لأسباب غير متعلقة بالعمل كأن نرفض إقامة علاقة غرامية مع رب العمل. (الهيرالدتربيون 20/3).

ويعزز البعض كثرة البطالة في أوساط الشباب الفرنسي التي جاء هذا القانون ليخففها إلى التوجه إلى التعليم الجامعي وفي الغالب النظري والابتعاد عن الأعمال الفنية والمهنية.

إذ يرى البقال جون بير جريون «60 عاماً» ان الشباب من أصول مهاجرة يوجهون إلى الحصول على شهادة جامعية باعتبارها ضماناً لمستقبلهم، غير أننا بحاجة إلى كهربائيين وفني أدوات صحية وغيرهم». (الغارديان 19/3) وقد يكون جوريون محقا في تكاثر حاملي الشهادة الجامعية وعدم قدرة سوق العمل على استيعابهم.

لكن ما يجري هذه الأيام على أرض الواقع ليس من فعل هؤلاء الشباب من أصول مهاجرة ـ وإن كان هؤلاء بالذات طلبة الثانوية يرفدون تلك الحركة بزخمهم ـ إنهم شباب الطبقة الوسطى الفرنسية (وهي نخبة المجتمع كما تصفها مراسلة البي بي سي كارولين ويات 16/3) هم الذين خرجوا إلى الشوارع ليعبروا عن مخاوفهم حول الحاضر والمستقبل.

ولعل الفرق الجوهري بين ثورة الشباب الفرنسي هذه الأيام وتلك التي قام بها قبل أربعة عقود تقريباً هي انه في الثورة الأولى كان الشباب يحاول أن يغير نظاماً قديماً بدا له انه آيل للسقوط،

في حين أنه يناضل هذه الأيام للاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به من ذلك النظام القديم في ظل عولمة لا تبقي ولا تذر!! وقد تكون هذه الحركة الشبابية إيذاناً بتحول أوروبي نحو اليسار ـ كما الحال في أميركا اللاتينية ـ بعد أن عصرت قوى اليمين المجتمع وعمقت استقطابه الطبقي.

واللافت في هذه الحركة أن الطلاب أصبحوا القوة المحركة والمناوئة للسياسات اليمينية وأداة التغيير في المجتمعات الرأسمالية المتطورة، وهو ما توقعه في عقد السبعينات من القرن الماضي الفيلسوف وعالم الاجتماع هربرت ماركوز، الذي أضاف إلى قوتهم الأقليات والمرأة.

ويجد دومنيك دوفيلبان نفسه في موقف حرج في الوقت الذي يطرح نفسه كمرشح قوي في الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في العام المقبل، ينافسه بشراسة وزير داخليته نيقولاس ساركوزي.

فعهده القصير قد شهد أحداثاً جساماً، حيث اندلعت اضطرابات الضواحي بشبابها المنحدرين من أصول مهاجرة، وها هم شباب الطبقة الوسطى الفرنسيون ينتفضون ضده أيضاً بعد أقل من ستة أشهر من الأحداث الأولى.

والملاحظ أن حركة الشباب الجديدة تلقى قبولاً واسعاً من الشعب الفرنسي حسب استطلاعات الرأي، وفي الوقت نفسه تظهر تلك الاستطلاعات انخفاض شعبية رئيس الوزراء بشدة من 43% إلى 37% حسب الهيرالدتربيون.

إن فشل دوفيلبان في تمرير قانونه ونجاح حركة الشباب في التصدي له، سيجعل من تلك الحركة نموذجاً يحتذى به لكثير من شباب المجتمعات التي أخذت العولمة، بما تعني من تحلل من فكرة الأمن الوظيفي تفرضها على بلدان العالم والتي سيكون الشباب أول من يكتوي بنارها.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com