في الطريق إلى «الخرطوم» العاصمة السودانية المثلثة، التي كانت الحاضنة للقمة العربية الثالثة، و( العاصمة) للصمود العربي بلاءاته الشهيرة الثلاث، و(الداعمة ) بالمال والسلاح لجبهات المعركة الثلاث، بعد(القاصمة) العدوانية الإسرائيلية على أراضي ثلاث دول عربية عام 1967..

ومنذ بدأت مسيرة القمة من بيت العرب في «القاهرة »عام 1964 بدعوة تاريخية من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر (من أجل فلسطين)، إلى «الجزائر» أرض المليون شهيد من أجل التحرير والتي شهدت عاصمتها المناضلة ـ آخر المحطات في العام الماضي ـ قبلها بأعوام إعلان القائد الراحل ياسر عرفات ( قيام دولة فلسطين )..

وبينما نترقب جميعا لقاء القادة العرب الجامع، في المحطة الدورية الثامنة عشرة - عدا المؤتمرات الطارئة- لمسيرة القمة العربية التي بلغت اليوم خمسين عاما ..

يصبح من حق المواطن العربي أن يطرح السؤال عما حققته القمم العربية على مدى العقود الخمسة الماضية من تحقيق أهداف النضال العربي الطويل في السعي نحو الحرية السياسية، وبناء التنمية الاقتصادية،وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة الوحدة العربية.؟

.. كما يصبح من واجب المواطنين والقادة العرب معا أن يقفوا مع أنفسهم وقفة تقييم لما حققته القمم الرسمية والقواعد الشعبية في الواقع قولا وفعلا ( من أجل فلسطين) التي انطلقت مسيرة القمة ليس فقط من القاهرة في العام 64 بل في الواقع من «أنشاص» في العام 46 من أجلها.؟

ولسنا نظن أنه يغيب عن فكر قائد عربي واحد ما يشعر به المواطن العربي في كل بلد عربي من فارق كبير بين الواقع الذي يعانيه والطموح الذي يبتغيه، في وقت تواجه فيه أمتنا ساعة امتحان عصيبة لقوة إرادتها، ولقيمة كرامتها، ولحقيقة جدارتها في نيل حريتها وصنع حياتها وفقا لهويتها وترجمة لقيمها وصولا لأهدافها المشروعة.

في هذه الساعة التي تعد من أخطر الساعات، وفي هذه اللحظة المصيرية التي هي من أخطر اللحظات، وفي هذه الظروف الفارقة في تاريخنا العربي الحديث، تتطلب القمة من قادة أمتنا استدعاء كل طاقات الإيمان الكامنة في أعماقها،

وكل دروس التاريخ التي مرت بها، وكل أرصدتها من القدرة والحكمة، في محاولة ـ رعاها الله ـ ليتجاوز الوطن العربي ذلك المأزق التاريخي الذي يجد المواطن العربي نفسه فيه، ولتعبر القمة بشعبنا الواحد في دوله المتعددة مما يعانيه إلى ما يتطلع إليه.

وبرغم مشاعر من خيبة الأمل لأن ما حققته مسيرة القمة سيرا نحو تحقيق الأهداف القومية ـ مع أنه كثير ـ إلا أن ما انتظره شعبنا العربي من قمم قادة أمته كان ما هو أكثر،

خصوصا أنهم خلفاء قادة عظام لأمة عظيمة انطلقت من أرضها المباركة رسالات السماء الخالدة لقيادة البشرية جمعاء على طريق الحق والعدل والسلام، ومع ذلك لم تنجح في نيل حقوق شعبها، ولا استطاعت فرض السلام القائم على العدل على عدوها! إلا أننا على ثقة من أنه كلما زاد الظلام قرب الفجر.

وفي الوقت الذي لم تصل فيه تلك القمم حتى اليوم إلى استعادة الأمة لذاتها، وإعادة بناء وحدتها، وامتلاك إرادتها، وحشد طاقتها لتحرير أرضها من الاحتلال، وحماية شعبها من العدوان والإذلال، وتوظيف ثرواتها لتأمين العلم والعمل والصحة والكرامة لشباب هذا الجيل وللقادم من الأجيال،

إلا أن دروس تاريخ هذه الأمة يبشرنا بأن العواصم لابد من أن تعقبها العواصم، وأن الشمس تشرق دائما مهما كانت الغيوم. إلا أن هذه السنن الكونية والقوانين الإلهية بأمر الله هي أكبر من كل القوى الدولية الكبرى،

ومن كل الشخصيات الحاكمة في هذه الدول، لا تعفينا قادة وشعوبا من الأخذ بأسباب النصر في معاركنا ضد الهيمنة الاستعمارية الجديدة، التي تسعى لفرض التجزئة والخضوع والتخلف، حتى تضعف قوتنا ونفقد حريتنا ونغادر هويتنا العربية الإسلامية ونذوب في الهوية الأميركية الغربية.

إن مسيرة القمة العربية ذاتها ما برزت إلى الوجود إلا استجابة لتحد، من هنا ندخل إلى قضية القضايا وعنوان العناوين حيث كانت قضية شعب فلسطين هي المسألة الرئيسية في قائمة التحديات الخطيرة التي فرضها الاستعمار على أمتنا والتي لا تزال حتى اليوم تنتظر من القادة والشعوب الاستجابات الكبيرة لاستعادة أرضها وتحرير مقدساتها وعودة شعبها..

فمنذ وعد بلفور المشؤوم، عام 1917، والذي لم يكن لبريطانيا الجرأة على إصداره إلا بعد نجاح وزير خارجيتها في الاتفاق مع وزير خارجية فرنسا على تمزيق الجسد العربي الكبير إلى أكثر من عشرين جزءاً صغيراً، ورسم الحواجز الشائكة لتشويه سطح الخريطة العربية الواحدة في اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916،

وأيضا والتي ما كان يمكن لها أن تتم بدورها لولا نجاح الغرب الإنجليزي الفرنسي الصليبي في هزيمة الشرق التركي العربي الإسلامي في الحرب العالمية الأولى، ومن هنا يتضح الدرس واضحاً أنه بإسقاط الدولة العثمانية عاصمة العالم الإسلامي وآخر أشكال الوحدة الإسلامية التي كانت تضم كل القوميات العربية والطورانية والفارسية في ظل علم واحد،

سقط الوطن العربي كله مهشما ومهمشاً بعد التقسيم الاستعماري لمناطق النفوذ بين المنتصرين في الحرب ليتجرع مرارة الاستعمار عقودا طويلة تحت أعلام الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي.

ومن المفارقات المريرة أن بعض الحكام العرب، وقعوا في خديعة «لورنس العرب» ليشعلوا ما سمي «الثورة العربية الكبرى» بتنسيق مع الانجليز لضرب الدولة العثمانية من الداخل والعمل بتحالف عربي مع الغربيين غير المسلمين ضد العثمانيين المسلمين،

لتكون نتيجة هذا الدهاء الماكر هزيمة العرب والمسلمين معا لصالح المستعمرين!من هنا يكون التحدي الأول هو.. كيفية تجسير الهوة المصطنعة وتصحيح العلاقة الثقافية بين العروبة والإسلام:

*والمطلوب أولا إزالة الجدار الاستعماري العازل بين الوطن العربي والأمة الإسلامية وتعميق التضامن العربي الإسلامي في مواجهة محاولات الإخضاع والتقسيم والهيمنة، التي تستهدف تذويب هوية العرب والمسلمين في إطار ما يسمى بـ «الشرق الأوسط الكبير»

*و ليصبح المطلوب ثانيا هو.. قرار عربي برفض الانضواء في هذا المشروع الاستعماري.

* والمطلوب ثالثا.. قرار بتكليف الأمانة العامة للجامعة العربية للتنسيق مع الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي بعقد مؤتمر موسع للعلماء والخبراء والمثقفين لبلورة وصياغة مشروع تحرري نهضوي كمشروع حضاري عربي إسلامي للأمة العربية والإسلامية.

*والمطلوب رابعا.. رفض أي عدوان عسكري إسرائيلي أميركي على إيران تحت التبرير الواهي ـ مثلما حدث في العراق ـ لمنع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية،

والمطالبة في مواجهة ذلك بالتأكيد على ضرورة إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي والضغط على ضرورة توقيع إسرائيل على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، أو سيكون العرب مضطرين لإعادة النظر في موقفهم من المعاهدة.

كذلك يجب رفض المواقف الأميركية والأطلسية المتناقضة مع القرارات الدولية ومع مبادئ الشرعية الإنسانية في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمنحازة في سفور لا يعرف الخجل، وتحد لا يخشى العقاب تجاه القضايا العربية والإسلامية في فلسطين والعراق والسودان وفي الصومال وسوريا ولبنان.

أيضا يجب تقرير كل الدعم اللازم والكامل للشعب العربي في هذه البلدان من أجل نيل التحرر من الاحتلال، وتحقيق الاستقلال، والتصدي للأجندات الخفية والمعلنة للقوى الغربية الكبرى، للهيمنة على إرادة شعوبنا،

وثرواتها الوطنية بهدف أن نكون بلا هوية وبلا هدف سوى أن نكون سوقا مفتوحة لمنتجاتهم الصناعية، وساحة مفتوحة لأحلامهم الإمبراطورية على حساب مبادئ الحق والعدل والحرية.

كما يجب اتخاذ وقفة عز عربي بإباء يرفض الخضوع، ويجسد الكرامة العربية المهانة، وذلك برفض واضح لسياسة الإملاءات الأجنبية، وتحذير كل من يهمه الأمر بأن الدول العربية ستتعامل من الآن فصاعدا مع الدول المنحازة ضد قضاياها بالمثل، وأنه لن يكون منطقيا ضمان المصالح الغربية على أرضنا طالما اختارت الانحياز الأعمى ضد المبادئ العربية.

إن مثل هذه الوقفة المطلوبة لا يمكن لها أن تفعل فعلها في العواصم الدولية بدون امتلاك الإرادة السياسية لتحقيق شروط الفعل العربي المؤثر خارجيا، وذلك يتطلب استجابة للتحدي في اتجاهين رئيسيين لتوفير أسباب القوة داخليا:

الأول :تمتين الجبهات الوطنية بمصالحة تاريخية بين القمة الرسمية والقواعد الشعبية على أساس من العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية،

والكرامة الإنسانية، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المناورات الحزبية التي تستقوي بالأجنبي، وإعلاء دور الحوار الوطني ليكون شأناً يومياً في المؤسسات التشريعية وعلى كل مستويات صناعة القرار الوطني، بضمان حرية الصحافة واستقلال القضاء.

والثاني: بتقوية صمود الجبهة القومية على جميع الأصعدة، بتأكيد التضامن العربي مع كل بلد عربي في مواجهة التهديدات أو الإملاءات الأجنبية، وتعزيز صلاحيات الجامعة العربية لتكون مظلة اتحادية، والسير على طريق دفع وتسريع خطى التنمية الشاملة والتكامل الاقتصادي والاجتماعي وصولا إلى تحقيق المواطنة العربية في ظل اتحاد عربي.

كما يجب مطالبة مجلس الأمن الدولي بضرورة جدولة القرارات الدولية المتعلقة بالشؤون العربية، والقبول بتنفيذها جميعها بعد إعادة ترتيب أولويات تنفيذها حسب أسبقية صدورها،

فلا يعقل أن يقبل منطقيا تنفيذ قرارمجلس الأمن باعتماد خطة خارطة الطريق الذي صدر في العام 2005 قبل تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم184 القاضي بعودة اللاجئين إلى فلسطين الصادر عام 1948،

كما لا يقبل منطقيا تنفيذ القرار 242 الصادر عام 1967 الذي يفضي إلى الاعتراف بإسرائيل قبل تنفيذ إسرائيل القرار147 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية.

يجب العمل على إصلاح الأمم المتحدة لعلاج الخلل الظالم في النظام الدولي، والسعي لنقل صلاحيات مجلس الأمن الدولي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بحيث يكون مجلس الأمن الذي يمثل الأقلية هو الأداة التنفيذية لقرارات الجمعية التي تمثل الأغلبية، وليس مصدر الشرعية، وذلك تحقيقا للديمقراطية والعدالة الدولية.

ألف الله قلوبكم أيها القادة العرب على كل ما هو خير لأمتكم العربية ولشعوبها على طريق الوحدة والتحرر والتنمية..

كاتب مصري

mamdoh77t@hot mail.com