أجل.. استقال كولين باول بعد أن أبلغ العالم أكبر كذبة في التاريخ.

لكن لماذا لم يقدم إلى محاكمة؟

باول كان يتحدث إلى اجتماع رسمي للدول الأعضاء في مجلس الأمن قبل بضعة أسابيع فقط من بدء عملية الغزو الأميركي للعراق في 20 مارس 2003 مقدماً «أدلة دامغة» بأن لدى عراق صدام أسلحة نووية وكيماوية وجرثومية جاهزة للاستخدام الفوري،

مما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة والبلدان المجاورة للعراق. وبناء على هذه «المعلومات» كان المطلوب من مجلس الأمن الدولي إصدار قرار يدعم قرار الحرب الأميركي.

كانت معلومات كاذبة وأدلة ملفقة مئة في المئة، رغم ما عرض وزير الخارجية الأميركي ـ وقد كان في معيته مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جورج تينيت ـ من صور فوتوغرافية وأفلام التقطت بواسطة أقمار صناعية وخرائط ومجسمات ثبت لاحقاً أنها كلها زائفة.

لقد امتنع ممثلو العالم عن إصدار القرار المطلوب من واشنطن لأنهم حتى في تلك المرحلة المبكرة كانت تراودهم شكوك تجاه ما عرض عليهم. لقد أشفع باول استقالته باعتراف.. وأشفع الاعتراف باعتذار ليس إلى دول العالم فحسب ـ وبينهم حلفاء مقربون للولايات المتحدة ـ بل إلى الشعب الأميركي.

والآن وبعد ثلاث سنوات من حرب أميركية بالغة الوحشية، وغير شرعية على العراق، فإننا نتساءل: لماذا لا يحاكم وزير خارجية الولايات المتحدة السابق على جريمته؟

لكن كيف تتخذ إجراءات جنائية بشأن عضو في مؤسسة السلطة الأميركية إذا كان جميع أعضاء المؤسسة متورطين ـ بدرجات متفاوتة ـ في الجريمة نفسها؟

في شرحه لملابسات استقالته قال باول إنه كان ضحية المعلومات الخاطئة التي تلقاها من وكالة الاستخبارات المركزية. وربما يجوز من هذه الزاوية النظرية اعتبار مدير الوكالة الشخص الأوحد الذي ينبغي محاسبته.

لكن الأمر ليس كذلك على الصعيد العملي. فمهمة الأجهزة الاستخباراتية الأميركية لم تعد جمع معلومات ميدانية بمبادرة مهنية منها وتغذية الدوائر العليا في السلطة بهذه المعلومات لترسم على أساسها سياسات وتتخذ قرارات. فقد صار الوضع معكوساً.

وفي الحالة العراقية فإن قرار شن الحرب اتخذ أولاً على مستوى البيت الأبيض ثم بعد ذلك أمرت الأجهزة الاستخباراتية بجمع معلومات لتبرير قرار الحرب، وإذا لم تتوفر المعلومات المناسبة للقرار فإن هذه الأجهزة تؤمر بطبخ معلومات ملفقة.

وهذا هو ما جرى بالضبط، فبينما دشن الغزو الأميركي للعراق في مارس 2003 فإن وزير الخزانة الأميركي المستقيل جون أونيل كشف في مذكراته المنشورة أن الرئيس بوش اتخذ في الحقيقة قرار الحرب منذ اللحظة الأولى لانتخابه في مطلع عام 2000، وحتى قبل أن يؤدي القسم.

منذ تلك اللحظة انطلقت رسمياً كذبة تملك عراق صدام أسلحة دمار شامل قابلة للاستخدام، وكذلك انطلقت عملية طبخ معلومات ملفقة شارك فيها البيت الأبيض نفسه ووزارة الدفاع إلى جانب الأجهزة الاستخباراتية.

الرئيس جورج بوش هو إذن المتهم الأول، ولأنه كذلك فإنه لا يستطيع أن يأمر بمحاكمة نائبه في البيت الأبيض ديك تشيني ولا وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ولا مستشار الأمن القومي آنذاك كوندوليزا رايس ولا مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت.

كلهم شركاء في الجريمة.