لم يعد مقبولاً على الإطلاق ما يحدث على أرض الرافدين. نزيف الدم يتزايد، وكأنه لن ينتهي أبداً. قتلى بالعشرات يتساقطون بلا ذنب اقترفوه، حتى بات القتل سمة الحياة الدامية فوق تراب العراق. نزيف لا يجف وجراح لا تندمل وقبور مفتوحة لاستقبال المزيد من الضحايا.

هذه هي حال وطن عزيز على كل عربي ومسلم. والمفجع أن العراق بعد ثلاث سنوات من احتلاله أصبح أرضاً طاردة وليست جاذبة لأهلها الذين يبحث الكثير منهم عن فرصة للنجاة إلى خارج الحدود. نجاة من محترفي قتل وتفجير واختطاف من دون تمييز بين صغير وكبير أو بريء وخصم.

كان من المفترض عندما رفع الغزاة شعار «تحرير» وليس «احتلال» العراق، أن تتفتح الأبواب أمام عشرات الألوف من أبناء الرافدين الذين تركوا ديارهم في ظل الحكم الديكتاتوري الذي استنزف قوة العراق الاقتصادية والعسكرية في حروب لا طائل منها، أو تفتح لأولئك الذين نزحوا مع بدء الحرب بحثاً عن الأمان إلى أن يضمد العراق جراحه. ولكن تبدد أمل النازحين واللاجئين العراقيين.

والكارثة الكبرى الآن هي النزف الشديد للأدمغة العراقية، وهو ما أشار إليه الكاتب البريطاني جوناثان ستيل في صحيفة «الغارديان». فقد تحدث عن نزف الأدمغة بسبب المد الجارف من حالات الاختطاف وانهيار سلطة القانون في العراق.

وكشف الكاتب عن حالة انعدام الاستقرار والأمان التي يشعر بها أبناء العراق والتي فجرت ما سمّاه نزفاً شديداً للأدمغة. وإذا كان سقوط الرئيس المخلوع صدام حسين قد فتح الباب لعودة بعض أفراد الجيل السابق ممن كانوا في المنفى خلال سنوات حكمه،

إلا أن التيار ـ كما يقول ستيل ـ عاد ليسير الآن في الاتجاه المعاكس مرة أخرى. أي أن ما حدث في زمن الدكتاتورية البائدة من هجرة عقول بات يتكرر من جديد، على أساس من حق كل عراقي أن يبحث عن الأمان بعيداً عن دياره حرصاً على نفسه وأسرته سواء من القتل العشوائي اليومي، أو حوادث الاختطاف التي ليس منها ما يعلن سوى ما يتعلق بالأجانب.

إن نزف الأدمغة الذي يقصده الكاتب البريطاني، هو ذلك القتل الإجرامي الذي يروح ضحيته صفوة أبناء العراق من باحثين وعلماء وأساتذة جامعة. ونقل ستيل عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، أن 89 أستاذاً ومحاضراً جامعياً قتلوا منذ بداية الغزو، أي خلال ثلاث سنوات فقط.

ولم تفلح تحقيقات سلطات الأمن في الكشف عن الجناة، أي الفاعل مجهول (وذلك الفاعل هو الذي يعيث الآن في أرض الرافدين قتلاً وخراباً). وهناك أدمغة عراقية يطاردها شبح الاغتيال، اذ تم وضع قائمة بأسماء 105 من الشخصيات الجامعية تطاردها فرق الموت.

وكان من الضحايا الدكتور علي مهاوش عميد كلية الهندسة بالجامعة المستنصرية الذي أطلق عليه الرصاص منذ أيام. وفي ظل الكارثة التي يعيشها الوطن الشقيق، سنظل نردد في حسرة وأسى: العراق.. إلى أين ومتى تضمد جراحه ويستقر؟

من المؤسف أن ما نراه على أرض الواقع فوق تراب الرافدين يدمي قلوبنا. وليت صفوة أبناء الوطن الجريح يلمون شملهم لوضع حد لتلك الكارثة التي يعيشها شعب صابر وصامد سلب منه الأمن والاستقرار، وصار الألوف من أبنائه يفضلون النزوح بعيداً عن حمامات الدم إلى أجل غير مسمى.