الاقتراب من إسرائيل، أو كشف جزء من صورتها الحقيقية، أحد المحرمات الكبرى فما بالك أن تقوم جامعتان عريقتان في أمريكا بتقديم دراسة تكشف وجهاً من وجوه إسرائيل، وكيف أنها الطرف الأساسي في صياغة السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، فإن ذلك بادرة غير عادية، وإن جاء رد الفعل على الدراسة حاداً من قبل إسرائيل، وكل خطوط دفاعها الشرسة والقوية..
أزمة أمريكا ليست فقط بتغليب مصالحها في أي سياسة تقوم بها، وهو عمل يتفق مع أهدافها وطروحاتها، لكنها، في غالب الأحيان، ما تقدم مصالح إسرائيل على كل شيء، وهذا ما اتفق عليه الدارسان بأن الأزمات المتصاعدة في المنطقة ونمو تيارات المعارضة، وحتى الإرهاب منبعها هذه السياسة المنحازة والتي لا يريد أن يعترف بها صانعو القرار الأمريكي، ولا بأضرارها..
هذا التوجه من قبل الجامعتين لا نستطيع أن نضعه ضمن تغيّر في مسار السياسة الأمريكية، لكنه صورة لما يدور في المجامع الواعية العليا، وقد يكون بداية تحليل لواقع مسكوت عنه، وخاصة حين يصبح البيت الأبيض والكونغرس وأجهزة الإعلام ووسائل الضغط الأخرى الاقتصادية والاجتماعية ملتصقة بالشأن الإسرائيلي ورفعه إلى مستوى القداسة، هنا تنقلب المعايير، أي أنه لا يكفي تطابق المصالح، بل تغليب المطالب الإسرائيلية وحتى الاستراتيجية على غيرها، وهذا ما توصلت إليه الدراسة، وجعلته كجرس إنذار بأن انزلاقات القرارات الأمريكية أصبحت مضرة، ومتراكمة على طول العالم الإسلامي، وأنه باستمرارها سوف تلحق بها أضرار كبيرة، خاصة وأن العالم لم يعد يدار من قبل قوة واحدة، إذا ما افترضنا وجود أكثر من قطب مؤثر في الدورة العالمية السياسية، والاقتصادية..
المفيد في الدراسة أنها لم تأت من رد فعل على حدث آني ولا قامت بتكاليفها جهات تزعم إسرائيل أنها ضد السامية، يضاف لذلك أن معظم الجامعات الرئيسية تقف في صف إسرائيل، وتحارب حتى الأكاديميين اليهود والذين يقومون بنقدها مثل البروفيسور (تشومسكي) وغيره، ولا يوجد ليد عربية أو إسلامية التأثير على الدراسة، ومع ذلك فهي صدام صغير قد تواجهه أعاصير هائلة، إلا أن تعميم الدراسة ونشرها يعتبران خطوة غير عادية في مجتمع تقال فيه كل الحقائق، إلا ما يتصل بإسرائيل، ومع ذلك فقد يجري لصاحبيْ الدراسة عقوبة ما، أقلها أن يوصفا بعداء السامية لينقلب السحر على الساحر..