كتب الزميل «زهير الدجيلي» منذ ما يقارب الأسبوعين تحليلاً إخباريا في جريدة «القبس» الكويتية حول تصريح السفير الأميركي في بغداد الذي وصف الحرب على العراق بأنها فتحت «صندوق باندورا» في إشارة الى أن هذه الحرب أخرجت شروراً كثيرة من ضمنها الصراعات الطائفية التي يمكن أن تقود إلى حرب إقليمية!!
أي أن طريقة الحرب وطريقة إدارة العراق ما بعد الحرب من قبل واشنطن كانت أشبه بأسطورة «صندوق باندورا» الإغريقية!! ثم يقدم «زهير الدجيلي» ملخصاً سريعاً لتلك الأسطورة التي تقول إن جباراً يدعى «بروميثيوس» سرق النار وأهداها للبشر.
فلما قبلوها عاقبهم كبير الإغريق «زيوس» بأن أرسل إليهم امرأة اسمها «باندورا» وأعطاها صندوقا مغلقاً ومربوطاً بشريط جميل.. وأمرها بأن لا تفتحه مهما كانت الأحوال.. لكن فضولها فيما بعد دفعها الى تجاهل تلك التحذيرات ففتحت الصندوق دون أن تدرك عواقب ذلك،
وما إن فتحته حتى انطلقت منه جميع الشرور والرزايا التي عمت الكون، ومن يومها تبخرت جميع مسارات الإنسانية بما فيها السعادة والفرح والصحة والعافية.. وتمنى البشر بعد تلك المصائب نار «برميثيوس» ولا جنة «باندورا».
هذه الأسطورة الإغريقية صحيحة كما رواها الزميل «زهير الدجيلي».. لكنه أغفل شقا مهما جدا من تلك الأسطورة.. وهو أن الشرور كلها خرجت بالفعل من «صندوق باندورا» لكن الأمل بقي مختبئا في الصندوق.. في إشارة واضحة الى أن كل شرور الدنيا.
ومهما بلغ حجمها ودرجة انتشارها.. لا يمكن أن تحجب فسحة الأمل!! وهذا بالتحديد ما يشعره المراقب للوضع المحزن في العراق اليوم!! القتل في العراق أصبح قاعدة..
والعنف أضحى هو اللغة الأم.. والفوضى هي السياسة السائدة!! لكن ذلك لم يلغ الأمل من قلوب العراقيين.. الذين يلملمون جراحهم وينهضون في كل مرة تتقاذفهم فيها الأحداث الدائرة.. آخرها كان في نهوضهم من كارثة تفجير مرقد الامامين!!
قد لا يستطيع الأمل وحده أن يخلص العراق مما هو فيه الآن.. لكن من دونه لن يتمكن العراق من التقدم خطوة.. فمن دون الأمل لن يستطيع أهل العراق إعادة كل تلك الشرور التي أطلقها «صندوق باندورا» الى داخل الصندوق!!
وإذا كان العراقيون قد فقدوا الأمل في مشروع الخلاص الأميركي الذي أصبح يتخبط وبصورة جعلت العراقيين يتهمون الولايات المتحدة بشكل مباشر ويحملونها تبعات الفوضى في العراق، فإنهم لا يزالون متمسكين بالأمل في مشروعهم السياسي الرامي الى إبقاء العراق كتلة واحدة ومتماسكة ومتعاونة!!
فبالنسبة للزميل «زهير الدجيلي» وآخرين غيره.. فإن الولايات المتحدة قد أدت وبمهارة دور الكبير «زوس».. فهي مسؤولة عن اختيار العراقيين لامرأة مثل «باندورا»..
وحيث يجسدها هنا أمراء الطوائف الذين مهدت الدبابات الأميركية لهم الطريق للسلطة وهي أيضا مسؤولة حين سلمت الصندوق الذي تكمن فيه كل شرور الدنيا وهي مدركة لما فيه!!
إن المنفذ الوحيد للخلاص من حالة الفوضى والدمار في العراق.. هو في تضافر الجهود العراقية لإخراج «الأمل» الحبيس داخل «صندوق باندورا» وإعادة كل الشرور الى داخله.. مع إحكام إغلاقه!!