ما برحت مناظر صراخ العراقيين و أشلاء الجثث في الشوارع تسيطر على الأخبار الآتية من العراق و التي يشاهدها الأميركيون كل ليلة. وإحقاقا للحق لا يزال العراق مكانا مخيفا للغاية لاسيما في مناطق المثلث السني.
و يوجّه رجال السياسة المنتمون إلى معسكر المعارضة في الولايات المتحدة الأميركية اتهامات تفيد بأن قواتنا لا تتمتع بالحماية الجسدية الكافية ولا يوجد لديها ما يكفي من سيارات الهامفي المدرعة ذات الدفع الرباعي، ملمحين بذلك إلى أن طائرتنا المقاتلة تم تجاهلها، وهو ما يرونه جريمة في حق قواتنا.
على شبكة «سي إن إن» الأميركية ظهر أحد الصحافيين و هو يعرب عن أسفه الشديد من أن أحد زملائه البارزين قد تعرض إلى إصابة بالغة بالقرب من مدينة التاجي، وهو الحادث الذي يراه هو مثالا على الفوضى التي تعاني منها الجهود الأميركية المبذولة في العراق.
غير أن الحرب في العراق، شأن أي حرب أخرى، تسير دائما في حالة من «اللاثبات» والتغير. فما كان حقيقيا على سبيل الافتراض في العراق في 2003 ليس بالضرورة أن يظل هكذا في 2006. فالوضع في أوروبا في 1943 لا يشبه مثيله في عام 1945.
ولكن على الرغم من أن المشهد العراقي قد تغير بشكل جذري، إلا أن النبرة المتشائمة لطريقة عرضنا للأخبار القادمة من العراق تظل بلا أي تغيير. قليل هو ما يُكتب عن الحكومة العراقية الجديدة وعن ظهور قوات أمنية عراقية جديدة أو عن دور القوات الأميركية الذي تغير بشكل جذري هناك.
لقد استمعت أخيرا إلى أعضاء في المجلس العراقي المنتخب حديثا في مدينة كركوك المقطعة الأوصال بفعل الحرب. وكان الجميع متحمسا للغاية تجاه مسؤولياتهم الجديدة.
كانوا يتجادلون بصراحة ومن دون مواربة حول النواحي الأمنية وقضايا الكهرباء وإنتاج النفط و لكنهم لا يزالون واثقين من أنهم يستطيعون إدارة وتسيير أمورهم بأنفسهم. وعندما انتهى الاجتماع، همست إليّ إحدى عضوات المجلس بالقول: «أبْلغ الأميركيين شكرنا، ولكن سلهم أن يتحلّوا بالصبر معنا».
إنها على حق. فالعراق بحاجة الآن إلى الصبر أكثر من أي شيء آخر. هناك الآن عشر فرق عسكرية في العراق. أحدث تلك الفرق هي الفرقة 10 الآلية في التاجي والتي يتولاها اللواء بشار أيوب، الذي تلقى تدريبه على أيدي الضباط التابعين لليفتنانت جنرال مارتن ديمبسي من القيادة المؤقتة الأمنية المتعددة الجنسيات.
واللواء بشار الذي خاض ثلاث حروب دموية، كوّن فرقة عسكرية جديدة من العدم تضم الآن مجموعة من دبابات تي-72 السوفييتية بعد إعادة تجديدها وعشرات من الضباط المحنكين الذين كانوا يخدمون في الجيش العراقي القديم. ويخطط الرجل لتولي معظم المسؤوليات الأمنية في التاجي ونزل إلى الشارع برفقة رجاله حتى قبل أن يتم تكوين فرقته العسكرية الجديدة.
ومنذ عامين كانت هناك مقولة تفيد بأننا أخطأنا عندما قمنا بحل الجيش العراقي وعندما تخلصنا من المعدات البالية التي وجدناها. وقريبا جدا ستكون الشكوى الجديدة بلا شك هي أننا قمنا باستخدام عدد كبير من الجنود المنتمين إلى الجيش العراقي القديم.
داخل قاعدة سلاح الجو الأميركية الضخمة المعروفة باسم بلد، يتبين من خلال الإحصاءات أن 75% من جراحات الطوارئ التي تتم داخل خيم القاعدة تخص الضحايا العراقيين الذين يتلقون العناية الطبية ذاتها التي يتلقاها الأميركيون المصابون.
كل العمليات تتم بسرعة منتظمة وذلك في الوقت الذي تراقب فيه الطائرات من دون طيار من طراز بريداتور الشوارع والطرق السريعة وخطوط أنابيب النفط. ويعد ضباط سلاح الجو الأميركي حاليا شبكات رادار بهدف تشكيل نظام جديد للتحكم في الملاحة الجوية يمكنه في يوم ما استضافة طائرات مدنية عراقية.
في 2003 كان الأميركيون يشاهدون يوميا على شاشات التلفاز بول بريمر، الذي كان يتولى حينها رئاسة السلطة المؤقتة لقوات التحالف. وفي المقابل قليلون هم الآن الذين يشاهدون زلماي خليل زادة، السفير الأميركي الحالي لدى العراق، والأمر ذاته ينطبق على باقي أفراد القيادة الأميركية في العراق من أمثال الجنرالات جورج كاسي و مارتن ديمبسي و بيتر تشياريلي.
إن إعادة إعمار العراق و إضفاء الأسلوب العراقي الأصيل على إيقاع العمل واستخدام الكياسة الدبلوماسية ـ كل تلك الأشياء هي مواضيع النقاش الرئيسية في العراق اليوم، ولم يعد الأمر يتمثل في إملاء أشياء على العراقيين وأمرهم بها أو بناء برلمان جديد في الصحراء.
وتقريبا تنتفي صحة أي إشاعات إعلامية تستهدف الجيش الأميركي بمجرد أن يزور المرء القواعد الموجودة على خطوط القتال الأمامية. العالم لا يزال يرى صور سجن أبو غريب القديمة، ولكنه لا يرى ما يتلقاه العراقيون من رعاية ممتازة في غرفة الطوارئ في المستشفي الموجود تحت الإدارة الأميركية في بغداد.
نحن نسمع أن الجيش الأميركي أصبح باليا ولا يصلح وأنه يعتمد على مجموعة من أفراد الحرس الوطني وجنود الاحتياط. غير أن المجندين الجدد يختلفون مع هذه المقولة، ويرون أن جنود الاحتياط الأكثر نضجا هم بمثابة الهدية السعيدة غير المنتظرة التي تلقونها والتي بدورها تساعد في تعزيز جهود إعادة الاعمار لأن عددا كبيرا منهم هم في الأصل رجال مقاولات ورجال أعمال وفنيون ناجحون في أميركا.
الشكاوى تتواتر من وزن وليس من قلة أو ندرة المركبات المصفحة أو الملابس المدرعة التي يرتديها الجنود. لقد رأيت عددا كبيرا من سيارات الهامفي على الطرق ولم تكن واحدة منها غير مدرعة.
المنتقدون ينعتون الجيش الأميركي بالمرتزقة، ويدعون أحيانا إلى تجديد نظام التجنيد.غير أن الجنود الأميركيين في العراق ليسوا فيلقا على طراز الفيالق الرومانية القديمة التي كانت تعج بالأجانب أو بالعناصر السيئة،
وإنما يمثلون قوة من المتطوعين الحقيقيين الذين يفوقون في تنوعهم في السن والجنس والعرقيات والديانات أي كلية جامعية أو غرفة بها عدد من الصحافيين المتعددي الجنسيات. ومعظم الضباط الذين التقيتهم هنا هم رجال على مستوى تعليمي وأكاديمي جيد ولكنهم أكثر استعدادا بكثير للجدال والنقاش حول معتقداتهم.
لقد دمر صدام حسين العراق حيث قتل أو روع أو شتت أكثر من مليون عراقي. والتركة التي تركها تظهر معالمها بكل وضوح من خلال أي مروحية تحوم فوق مجاري ومواسير الصرف الصحي في العراق أو من خلال أي زيارة إلى أي من قصوره الفخمة التي لا ترى فيها أي مياه صالحة للشرب داخل الحنفيات الذهبية التي تعج بها تلك القصور.
لقد كان الأمر شبه مستحيل أن يتم خلع صدام وإرساء دعائم الديمقراطية في الدولة التي كانت قلب الخلافة العباسية ومن ثم العمل في وقت قصير نسبيا على إصلاح ما قام صدام بتدميره خلال عقود.
بيد أن ما يدهشنا ليس هو الجرأة المتمثلة في قيام الولايات المتحدة بالإقدام على تلك المحاولة على الرغم من كل الظروف المعاكسة، وإنما تدهشنا بالفعل احتمالية أن تنجح أميركا في تلك المحاولة، وهو ما سيحدث فقط في حال أن تحلينا بالصبر.
خدمة لوس انجلوس تايمز
خاص لـ البيان