لا ترتبط المناداة ب«تجديد» رؤية الجماعات والتنظيمات السياسية ـ ذات الإسناد الإسلامي ـ بتداعيات ترتبت على حدث 11 سبتمبر شملت مطالب محددة زاوجت بين «تعديل مناهج التعليم الديني» و«الإصلاح السياسي»، بل تضرب جذورا عميقة، تعود إلى قرنين متكاملين من الزمن، ما يرفع أي حرج عن أولئك الذين يطالبون، الآن وهنا، بتجديد الفقه الإسلامي وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وينفي عن بعضهم تهمة الرضوخ لشروط خارجية.

وقد وجد المجددون دوما عنادا، صنعته بعض الصدور الضيقة، التي تفتقر إلى التسامح، والعقول المتكلسة التي تفتقد القدرة على الإبداع، وإنتاج رؤى تلائم واقعا يتجدد باستمرار، مع أن «النص الإسلامي المؤسس» وهو «القرآن الكريم»، مفتوح على تأويلات عدة، بعضها يتجاوز التفسير الحرفي،

ويربط الآيات بسياقها الاجتماعي «سبب النزول»، ويتعامل مع ما أورده السلف الصالح، رضوان الله عليهم، على أنه أقوال بشر لا يجب أن تضفى عليها أي قداسة، ولا يتمتع أصحابها بحصانة مهما علت منزلتهم ، لأنه «لا كهنوت في الإسلام»، ولأن الخلف أدرى بواقعهم، وأكثر قدرة على التكيف معه، ممن عاشوا في الأزمنة الراحلة.

وجاد الزمان أيام الحملة الفرنسية بأزهري مستنير، هو الشيخ حسن العطار، الذي استفاد من تعليمه «الإحاطي» أو «الموسوعي» الذي امتزج فيه «التراث» ب«التجديد»، والرؤية الحضارية الإسلامية بالعطاء الحضاري للغرب.

ثم رمت الدولة المصرية بثقلها وراء العملية التعليمية المدنية من خلال إرسال البعثات إلى أوروبا، فرشح نتاجها على الرؤية الدينية التقليدية، فأثمرت رموزا إصلاحيين في مقدمتهم رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده،

الذي بدوره، ترك بصمات واضحة في جيل أزهري بأكمله، تجلت ملامحها في كتابات قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وآراء مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق والشيخ مصطفى المراغي وأمين الخولي، التي أثرت بدورها في العالم العربي من شرقه إلى غربه.

لكن هذه المحاولات الإصلاحية لم تأخذ طريقها إلى النمو التدريجي، لتصل إلى «التمكن» الكفيل بإخراج الحالة الدينية العربية من الجمود الذي ران عليها قرونا عدة، بينما كان يجدر بها، إثر توافر عوامل كثيرة لها، أن تتجدد باستمرار، وتقدم للعالم الإسلامي برمته تجربة يمكن الاسترشاد بها أو اتباعها.

وحالت الخبرة السيئة للاستعمار وضعف نفوذ مجددي الرؤية الدينية وتراجع مكانة التيار الليبرالي من دون أن تواصل البذرة التي غرسها الإمام محمد عبده نموها وترعرعها،

فتفتح نوافذ التصور الديني على المنتج الفكري ل«الآخر»، فتكرر التجربة الفريدة التي حدثت في عصر الخليفة العباسي المأمون لتنتهي الأمور إلى ما آلت عليه، حيث يعلو صراخ التطرف على صوت الاعتدال، وتجنح الرؤية إلى التعصب دون التسامح، ويركن الفهم إلى الجمود دون التجدد، وتلتفت الأعناق إلى الوراء، فلا ترى ما تحت الأقدام ولا ما يرنو في البعيد.

وهذا الإخفاق ليس لعيب بنائي في الإسلام لكنه تقاعس من قبل المسلمين أنفسهم، الذين ارتضوا أن يدفنوا رؤوسهم في بطون بعض الكتب الصفراء، وأضفوا قداسة لا شعورية على بشر أمثالهم من الفقهاء الأوائل، واكتفوا بما جادوا به وبعضه لا يصلح لزماننا هذا.

وقد حاول بعض المجددين إصلاح الخطاب الديني من داخله، وآخرون اعتقدوا في إمكانية أن يرشح عطاء الغرب الفكري والسياسي والاجتماعي على التصورات الدينية، فيحرر ما اتصل منها بالحركة والسلوك خارج طقوس التعبد وجواهر الاعتقاد من ربقة الماضي.

لكن أتباع الفريق الأول لم يتخلصوا بالكلية من تأثير بعض النصوص البشرية المتراكمة على هامش النص المؤسس، من خلال مسيرة التأويل والتفسير وتبرير الاستشهاد والإحالة.

أما أنصار الفريق الثاني فباعدوا في كثير من طروحاتهم بين المتاح والمفترض، أي بين ما يتبناه الناس وما يفرضه النهوض بواقع الحال والأفكار. وهذا حول مشاريع هذا الفريق إلى «آراء نخبوية»، لم تخرج كثيرا من قمقمها، وأصيب أصحابها مع الأيام بنوبات من الاكتئاب والانسحاب جراء الشعور بعدم الجدوى، أو الخوف من اتهامهم بالمروق والفسوق إن لم يكن «الكفر الصريح».

وتسود بين هذين الفريقين لغة من النبذ والتجاهل، بما يرمي بهما في فلك صراع يشتد أواره أحيانا ويخفت أحيانا لكنه لا ينتهي أبدا، بدلا من أن يحدث النقيض، وينشأ نوع من «التكامل» أو «التنسيق» تحت راية «التسامح» وتقبل «الآخر» والإيمان بضرورة «الحوار» حتى بين الأضداد.

فمن شأن هذا التنسيق أن يفتح ثغرة في هذا الجدار الأصم، الذي يحول دوما، دون تجديد الأفكار الدينية أولا، ثم تجذيرها في الذهنية والنفسية الشعبية ثانيا، بحيث تكتسب «شرعية اجتماعية» تجعل المنافحين بها والمدافعين عنها في مأمن من رميهم بالفسوق،

وهي التهم التي طالما بذرت خوفا في قلوب كثير من المصلحين، فانطووا على ما في قرائحهم، والتزموا الصمت، خاصة أن التشريعات والقوانين السائدة، بها من المواد والبنود ما يضع هؤلاء في موضع المساءلة، ناهيك عن المؤسسات الدينية الإسلامية التي تمارس نوعاً من الرقابة على ما ينتج من أفكار،

وتجد دوما من الناس أكثرية تسمع لها، مهما كانت آراؤها، حيال بعض القضايا، قد جانبها الصواب، وتجد من السلطة دعماً، في أغلب الأحوال، لأن الأخيرة تستمد جزءاً كبيراً من شرعيتها من ادعاء الاهتمام بالدين والعمل على نصرته.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة