سألني ابني الصغير، وهو يشاهد القوات الإسرائيلية البربرية وهي تجتاح سجن أريحا، لماذا تهاجم إسرائيل السجن؟ قلت له إن إسرائيل تفعل ما تريد في فلسطين، تهاجم المستشفيات،

وتدمر المدارس، وتقتلع الأشجار، وتصادر الأراضي، وتروع الآمنين، وتغلق الجامعات، وتقتل الأطفال والمدنيين، وتغتال النشطاء، وتعتقل وتسجن من تشاء. ليس هذا فقط، فإسرائيل تعتمد إذلال الفلسطينيين منهجاً حياتياً يومياً تمارسه ضدهم على مدى خمسة عقود، هي عمر الدولة العبرية.

ولا يتأتى تعمد الإذلال اليومي من فراغ، قدر ما يرتبط بتعمد إذلال العرب بشكل عام؛ فمن خلال تلك المشاهد اليومية لإهانة الفلسطينيين، والذين أعتقد حتى هذه اللحظة، أنهم عرب مثلنا، ينتمون للمنطقة العربية، وليس لأية منطقة أخرى، يتم إهانة وإذلال العرب بشكل عام.

وربما جاءت مشاهد الاقتحام البربرية الأخيرة لسجن أريحا، والممارسات التي ارتبطت به، دليلاً جديداً على هذا النهج المتعمد من قبل الدولة العبرية. قال لي ابني ألا تمتلك فلسطين جيشاً؟ قلت له مجرد قوات بسيطة لاتمتلك هذا العتاد الإسرائيلي الضخم.

قال لي ولماذا لا يملك الفلسطينيون السلاح؟ قلت له لا يستطيع الفلسطينيون أن يمتلكوا السلاح، فهم واقعون تحت الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية، تساندهم في ذلك أميركا وأوروبا. قال لي ابني، ولماذا لا نساعدهم يا أبي، ألسنا عرباً مثلهم؟ قلت له إن بعض العرب قد باعوا القضية الفلسطينية،

أصبحت قضية غير مهمة بالنسبة لهم، كما أن هذا البعض يسعون لكسب الود الأميركي ولو على حساب أية قضية أخرى. فالملاحظ أن هؤلاء يريدون حلاً سريعاً ينهي هذا الصداع الفلسطيني الذي يلاحقهم أينما حلوا وأينما ذهبوا.

وبغض النظر عن نتيجة هذه الحلول ومدى الظلم الفادح الناجم عنها، فإن هناك حالة من الخزي العربي تدفع بالفلسطينيين إلى قبول أية تسوية وأية حلول يعرضها الجانب الإسرائيلي، ويباركها البيت الأبيض.

لا يدرك البعض أن قضايا الشعوب قد تستمر عقوداً وعقوداً، وأن عدم الحصول على الحقوق الآن، لا يجب أن يقودنا إلى الانهزامية الكاملة، يمكننا على الأقل ألا نقبل هذه التسويات الانهزامية. ربما تكون الأجيال القادمة أكثر شجاعة منا وأكثر قدرة على مواجهة إسرائيل.

ولكن يا أبي ألا يمتلك العرب جيوشاً وأسلحة كثيرة؟ نعم يمتلك العرب جيوشاً وأسلحة كثيرة، ويشترون الأسلحة من كل حدب وصوب، لكني يا بني لا أمتلك الإجابة عن كيفية استخدام هذه الأسلحة. فأنا لا أرى أية أهمية لهذه الأسلحة إذا لم توجه ضد إسرائيل.

ضحك ابني وقال لماذا لا نستخدم أبطال الباور رينجرز للدفاع عن فلسطين يا أبي؟ جاءت إجابة ابني عفوية وتلقائية، لكنها كشفت لي عن عمق المأساة العربية المعاصرة في تعاملها مع القضية الفلسطينية من جانب، ومع الصراع العربي الإسرائيلي من جانب آخر.

فالملاحظ أولاً أن العرب قد بدأوا يتعاملون مع مشاهد الانتهاكات الإسرائيلية اليومية التي يشاهدونها على شاشات القنوات الفضائية العربية والأجنبية على أنها جزء من جملة برامج هذه القنوات. وفي هذا السياق، تصبح الانتهاكات التي يطالعها المشاهد العربي، مجرد تنويعات إسرائيلية جديدة، مثلها في ذلك مثل غيرها من البرامج الأخرى.

كأننا أمام حلقات الباور رينجرز التي يطالعها ابني كل يوم، حيث تتشابه حلقاتها في الجوهر، وتختلف في الشكل. لم تعد المسألة تثير في المشاهد العربي ذلك القدر من الإحساس بالألم والشعور بالخزي جراء ما يواجهه إخوانه في فلسطين، وبالتبعية في العراق. وفي الوقت الذي اندلعت فيه المظاهرات ضد الدنمارك، لم يخرج الشارع العربي من أجل التنديد بما حدث في سجن أريحا.

والملاحظ ثانياً أن العرب ليس لديهم أي استعداد لمواجهة إسرائيل، أو حتى مساءلتها عما يحدث. فالدول ذات العلاقة بإسرائيل، لم تحرك ساكناً، بل إنها قد نقلت خبر الاقتحام مثله مثل غيره من الأخبار، من دون أن تندد أو تشجب، ناهيك عن أن تهدد.

لقد أصبحت ممارسات إسرائيل بالنسبة لهذه الدول مجرد خبر عادي بتنويعات مختلفة؛ فمرة اقتحام سجن، ومرة إطلاق صاروخ، ومرة بناء مستوطنات، ومرة اغتيال ناشطين.

ولعل ذلك يثير مفارقة بالغة الأهمية، ففي الوقت الذي تتحرك فيه بعض الدول العربية ضد العمليات المحدودة التي يقوم بها الفلسطينيون، ويدينونها بشكل قاطع، لا نسمع صوتهم تجاه ما تقوم به إسرائيل الآن. أفهم أن تقوم أميركا وأوروبا بمثل هذه المواقف ضد العرب دفاعاً عن إسرائيل،

لكن من غير المفهوم قيام بعض الدول العربية الآن بمثل هذا الدور، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن المسافة بين هذه الدول وبين أميركا وأوروبا قد تلاشت تماماً، لدرجة أنها قد أصبحت تردد وتتبنى ما تقوله أميركا وأوروبا.

في الماضي، وبعد كل عملية فلسطينية، كان العرب يصمتون حتى تنتقم إسرائيل لنفسها شر انتقام، أما الآن فإن العرب يصمتون وهم يرون هذا الانتقام الإسرائيلي اليومي. كما أنهم يصمتون أيضاً وهم يرون السيد سولانا يدعو الفلسطينيين إلى ضبط النفس.

ويصمتون أيضاً وهم يرون هذا التواطؤ الأميركي البريطاني ضد سجناء أريحا. لم يعد من المطلوب إغضاب الغرب، حتى ولو كان ذلك على حساب قتل الفلسطينيين واستباحتهم. فغضب أميركا وأوروبا أشد وطأة من قتل هؤلاء الفلسطينيين الغلابة. فماذا سوف يحدث لو قتلت إسرائيل المزيد من الفلسطينيين؟

ألم تقتلهم وتشردهم لمدة تزيد على الخمسة عقود. فما الضير من قتلهم الآن، المهم ألا تغضب أميركا والسيد سولانا. وعلى ما يبدو أن كلمات ابني كانت صحيحة، فنحن في حاجة إلى وجود الباور رينجرز لمحاربة إسرائيل، حيث يختلط الواقع بالخيال، وتضيع فلسطين، ويضيع العرب!! .

كاتب مصري