وصلني عتب وتعليقات مختلفة على مقال الأسبوع الماضي، الذي كان متعلقا بمركز العوير لتأهيل المدمنين. البعض كانت ردود أفعالهم إيجابية واتصلوا من أجل تحديد موعد للقاء وتبادل الخبرات في هذا المجال، أما البعض الآخر فكان متضايقا واعتبر ما كتبته هجوما على المركز وعلى الشخوص القائمين عليه.
ولا أعرف كيف تم فهم وتفسير محتوى مقالي على أنه هجوم، مع أنني لم أتعرض الى أي شخص ولم تكن كتابتي إلا تداعيا لما كتب في الجرائد عن المركز ومحاولة لوضع حلول وآليات تسهم في نجاحه وتساعد في تجاوز الأخطاء والإخفاقات.
لقد كانت كتابتي نابعة من حرص وغيرة على الوطن ومؤسساته ولا يكمن وراءها أية أهداف أو مصالح شخصية، وأعتقد أنه من واجب كل مواطن غيور وحريص على ثمرات هذا الوطن ألا يتردد في تقديم النقد البناء لأية مؤسسة يرى فيها خللاً قد يؤثر على ادائها ومنتوجيتها، فهذه مسؤولية اجتماعية ملقاة على عاتق كل واحد منا بحكم أن هذه مؤسسات الوطن،
والتي هي مؤسساتنا، إن صلحت وحققت أهدافها المنشودة صلحت أحوالنا وتحققت أهدافنا المجتمعية العامة. في المقابل، يجب على مؤسساتنا والقائمين عليها أن يفتحوا قنوات التواصل هذه، وألا يخافوا من التقييم والنقد، خاصة عندما يكون الهدف من وراء ذلك النقد التصحيح والتحسين والنهوض بمؤسساتنا.
يجب أن تحرص مؤسساتنا والقائمون عليها على تأسيس وتعزيز ثقافة النقد البناء والتقويم العلمي الصحيح، لأن هذه هي الآلية الأهم والأقوى للنمو بأية مؤسسة، كما يجب هنا ان تكون هناك معايير تقييم متفق عليها يتم من خلالها تقييم المدير لموظفيه، وتقييم الموظفين لمدراءهم، بالإضافة الى التقييم الأعم، وهو تقييم المؤسسة وخدماتها للتأكد من أنها تحقق الأهداف المتوقعة منها.
بجانب ذلك يجب أن نكون واعين ومدركين أن عملية النقد والتقويم هنا لا يقصد بها ترهيب وتهديد شاغلي الوظائف، ولكنها عملية تطوير وتحسين لقدراتهم وأدائهم. من خلال عمليات التقويم المختلفة نكتشف نقاط الضعف والقوة ونعمل على تطوير وتحسين أدائنا وتبديل بعض عاداتنا المعيقة للتقدم.
بالمقابل، الموظف الذي قد تكون عملية التقويم مخيفة له هو الموظف غير الراغب في تطوير نفسه وأدائه، والذي يعيش في اعتقاد أنه الأفضل، ومثل هؤلاء الموظفين لا يشكلون عائقاً أمام تطوير أنفسهم فقط، ولكن يعيقون تطور المؤسسة ونموها ايضا.
نحن اليوم في واقع الأمر نفتقر، أو تكاد تغيب عن مؤسساتنا البحوث التقويمية المتخصصة والتي تقيم أداء المؤسسات ومدى تحقيقها للاهداف المتوقع منها، والتي تحدد لنا كذلك معوقات تحقيق الأهداف. وفي اعتقادي لو كانت البحوث التقويمية متعارفاً عليها وسائدة في التطبيق في مؤسساتنا لتلافينا الكثير من الخسائر المادية ولتوجهنا التوجه الصحيح منذ البداية.
فمركز مثل مركز العوير للتأهيل كان من المفترض إجراء الدراسات التقويمية عليه بعد سنتين من تأسيسه للتأكد مما إذا كان يحقق ما نصبو اليه، والى أية درجة.
فبدلا من تغيير، تبديل، أوإيقاف البرامج والخطط العلاجية بشكل عشوائي وغير علمي، كان من الأحرى أن نستخدم مثل هذه الآليات العلمية التي باتت متوفرة ومتداولة بشكل كبير في كل العالم، حتى نضمن على الأقل اختيار البرامج الأنسب والتي ستشبع حاجات المنتسبين اليه، وحتى نوفر كثيراً من الهدر المادي والمجهود البشري.
إن ما أقوله هنا ليس مقصورا على مركز التأهيل، ولكن هناك الكثير من مؤسساتنا الاجتماعية، وخاصة تلك المعنية بتقديم الخدمات الانسانية، تعاني من الكثير من المشكلات والعجز ولم تجر عليها حتى اليوم دراسة تقويمية واحدة لمعرفة مدى الفائدة التي تقدمها، وما اذا كان ما تقدمه مشبعاً لحاجات المنتسبين اليها، أو أنها تحقق الأهداف المنوطة بها ولو بدرجة 50%على الأقل.
فعلى سبيل المثال، الناظر لبعض مراكز المعاقين أو المسنين الحكومية في بعض الإمارات يصيبه الإحباط ويستغرب لماذا مثل هذه المراكز المهمة والحيوية بهذا المستوى من التدهور،؟ ولماذا مع مرور كل هذه السنين لم تقيم ولم يعمل على تغيير واقعها؟ وإن كانت ستبقى بنفس هذه الصورة فما الجدوى إذاً من استمرارها؟
يجب أن نكون مدركين كمسؤولين وكصناع قرار أن اية محاولة للتقليل او التخلص من اية مشكلة اجتماعية تتطلب ثلاثة عناصر أساسية: إطار نظري أو تصور واضح حولها، برامج، وميزانية متناسبة مع الأهداف. وللتحقق من فاعلية أية برنامج اجتماعي،
سواء كان لمكافحة الجريمة أو للحد من تعاطي المخدرات، أو لتحسين مستوى الحياة لفئة مجتمعية معينة، أو تحسين أوضاع المجتمع المحلي بشكل عام، لابد من وجود عملية التقويم ومن تسهيل وتعزيز البحوث التقويمية.
إن عملية التقويم عملية دائرية تبدأ من الإطار النظري وتنتهي إليه، أي أنها تبدأ بصياغة وتحديد الأطار النظري ثم تنتقل إلى وضع الأهداف، والذي يليه عملية قياس لتلك الأهداف، ثم التخطيط للبرامج، يليها عملية تشغيل وتفعيل هذه البرامج، ثم تقويم البرامج لمعرفة مدى تحقيقها للأهداف.
وهذا يعيدنا للإطار النظري، والذي بعد هذه الخطوات نكون قادرين على الحكم عليه، فإذا تحققت الأهداف المرجوة بدرجة عالية، دل هذا على صحة ومناسبة إطارنا النظري، وأذا لم تتحقق بالشكل المطلوب يجب علينا إعادة تحديده وتعديله. أما إذا كان الخلل في عملية تطبيق البرامج وليس في النظرية فأنه يجب علينا وضع استراتيجيات تطبيق جديدة.
وهكذا، وفي النهاية هذه العملية الدائرية تقودنا الى تحديد ومعرفة مدى نجاحنا وفشلنا، وأين تكمن معوقات النجاح، فأين نحن إذا من الدراسات التقويمة، ونحن في الواقع في أشد الحاجة إليها نظرا لما نمر به من تغيرات ولحداثة مؤسساتنا،
وإلى متى يبقى النقد البناء ممارسة يرفضها الكثيرون من مسؤولينا، رغم أن عملية صلاحهم مرهونة بها، وقديما قال الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وهو المعروف عنه شدة التحيز للحق «شكرا لمن أهداني عيوبي» فهل نستدل بفلسفته على تصحيح أمورنا.
جامعة الإم ارات