اذا ما حصل صدام بين الغرب والاسلام فان العرب واجدون أنفسهم لا محالة في خضم الصراع ارادوه او حاولوا تحاشيه، لأنه ليس بالامكان الفصل بين العرب والاسلام،
ولكن اذا دخل اى طرف في صراع مع العرب بأعتبارهم هوية ثقافية ومجموعة من الاقطار محددة في حيز جغرافي معروف فأنه قد لايجد نفسه مضطر إلى الصراع مع بقية المسلمين غير ان نتائج الصراع بينه وبين العرب ستنعكس اثارها قطعا على الاسلام والمسلمين عامة،
فكل التجارب التاريخية اثبتت ان كل الصراعات التاريخية التي قامت من اجل الاسلام او ضده حسمت نتائجها فوق ارض العرب هذا الى جانب ان بدايات تاريخ الاسلام ورموزه ومقدساته، كلها واقعة في ارض العرب،
وبصرف النظر عن توقعات (صامويل هنتنجتون) فأن الصراع بين العرب والغرب قائما قبل عصر العولمة فمنذ بداية الاستعمار فرض الغرب علي العرب صراعا لايستطيعون الانسحاب منه ولاهم قادرون علي كسبه لان منطقتهم اصبحت مذاك تمثل بالنسبة اليه منطقة نفوذ ومصالح بالغة الحيوية واذا كانت الظروف في بعض المراحل تقتضي ان يغير من شكل تواجده وحضوره في المنطقة،
الا انه لايقبل ولايتسامح بوجود علاقة بينه وبين العرب ترتفع الى ما فوق مستوى التبعية واى محاولة تصدرعن اى قطر عربي للخروج عن هذه العلاقة يتصدى لها مباشرة او عبر آليات لضربها وتصفيتها.
والمتتبع لتاريخ العلاقة بين الغرب والمنطقة منذ ان دخل اليها غازيا وحتى الآن، لايجد فترة زمنية ولو لمدة قصيرة سادت فيها علاقات عادية بين قوى الغرب الكبرى ومجمل الاقطار العربية بل دائما هناك دول عربية صديقة وأخرى عدوة ومعيار هذه الصداقة اوتلك العداوة هو دائما القبول بهذه النوع من العلاقة او محاولة التمرد عليها.
لعله يمكن القول ان تاريخ العلاقة بين العرب والغرب هو في مجمله علاقة صراع بين مصالح واستراتيجيات الغرب في المنطقة كما يفهمها ويريدها وبين القوى العربية التى تريد اعادة صياغة العلاقة معه.
فمنذ نهاية الاربعينات دخل الغرب في صراع مع التيار القومى امتد لاكثر من ثلاثة عقود خسر في نهايتها هذا التيار بعد سلسلة من الهزائم والانكسارات سواء بسبب طبيعة انظمته السياسية او اخطائها او بسبب جبروت الغرب وهيمنته.
غير ان هذا الوضع افسح المجال امام تنامي قوة التيار الاسلامى في الاوساط الشعبية التي تعاني من قسوة قهر انظمتها السياسية وتشعر بالذل والمرارة امام ممارسات الغرب وغطرسته وجبروته ولهذا فقد دخل الغرب مرة اخرى ومعه الانظمة العربية في صراع دموى مع هذا التيار الذى تميز عن غيره من القوى المعارضة للغرب فى المنطقة بأعتماده علي العنف كوسيلة للتعبير عن رفضه وتمرده على الواقع.
ومثل ما كان التيار القومي يحمل خطابا انبعاثيا قوميا كأيديولوجيا لتوحيد العرب، فأن التيار الاسلامي ايضا يحمل خطابا انبعاثيا اسلاميا من اجل اقامة دولة اسلامية وبماان ارض العرب جزء من ارض الاسلام فان توحيد العرب تحت رأية دولة واحدة يعتبر امرا منطقيا تقود اليه بديهيات هذا الخطاب وهذا على الاغلب هو مصدر الاستفزاز الاكبر للغرب والسبب الجوهرى لمعاداته لهذا التيار،
لان اية قوة تحمل رأية توحيد المنطقة سواء كانت متدينة والملحدة، ديمقراطية او ستبدادية يعتبرها الغرب عدوه اللدود وبالتالى يجب ضربها وتصفيتها. هكذا تبدو العلاقة بين العرب والغرب تدور في حلقة مفرغة فعندما ترفع الحركة السياسية العربية شعار القومية لبناء دولة عربية واحدة يتهمها الغرب بالشوفينية والتعصب واضطهاد الاعراق الاخرى ويجرى تسفيه الفكرة واعلان الحرب عليها واذا رفع الاسلام كهوية ونموذج يجد امامه تهمة التعصب الديني واضطهاد الاقليات الدينية الاخرى فينزلق الامر الى حد الارهاب.
لقد بدأت مواجهة الغرب مع هذا التيار منذ بداية التسعينات حيث اعتبره الغرب قوة ارهابية متعصبة ظلامية، معادية للانسانية والسلام ثم دخلت المواجهة في الالفية الثالثة الي مرحلة كسر العظم واذا ما استطاع الغرب بالتعاون مع الانظمة العربية الانتصار على هذا التيار وهذا علي الاغلب ماتتجه نحوه نتائج الصراع، فأ ن علاقات الغرب مع المنطقة ستشهد لعدة عقود قادمة هدوءاً لم يسبق لها ان عرفته منذ بداية علاقة استتباعها للغرب وحتى الآن.
كيف ما كانت القوى التي تظهر علي الساحة العربية وكيف ما كانت اطروحاتها سواء في عصر الحداثة والاستعمار المباشر او في عصر العولمة والكونية، فأنها جميعها تجد نفسها امام محرم ثابت لايتغير بتغير الازمنة وتوالى الاحقاب ومن يقترب منه يقع تحت عنف الغرب وجبروته، وهذا المحرم الثابت يتمثل في اية محاولة لجعل الاقتصاد والسياسة العربيين يخضعان لسيادة واحدة.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي