أثارت الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الجريدة الدنماركية العديد من ردود الأفعال ومن التصرفات، كان من بينها زيارة وفد من الدعاة المسلمين إلى العاصمة كوبنهاجن لفتح حوار صريح مع الدنماركيين.
أسالت هذه الزيارة قبل أن تتم الكثير من الأحبار وأفرزت العديد من الآراء والأفكار منها ما كانت مؤيدة ومنها ما كانت معارضة. السؤال ليس هنا وإنما في طريقة واستراتيجية العرب والمسلمين في الحوار والتعامل مع الآخر بأسلوب حضاري مبني على أصول الإقناع والحوار والنقاش العلمي القائم على المنطق والأدلة والحجج والبراهين.
ما نلاحظه في التعامل مع مشكلة الرسوم الكاريكاتورية هو انعدام رؤية واستراتيجية واضحتين في مخاطبة الآخر وتزويده بالصورة الحقيقية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام والمسلمين وتاريخ الحضارة الإسلامية. نلاحظ أولاً أن الأئمة والعلماء والفقهاء لم يتفقوا على رؤية واستراتيجية واضحة المعالم.
وحتى زيارة وفد الدعاة والعلماء المسلمين إلى الدنمارك كانت محل اختلافات وانتقادات عديدة من جهات مختلفة. الأمر الآخر هو كيف تفاعلت وسائل الإعلام العربية مع الحوار الذي تم في الدنمارك بين وفد العلماء المسلمين والشباب الدنماركيين. نلاحظ،
وللأسف الشديد، أن الحدث مرّ مرور الكرام ورغم ما حققه من نتائج إيجابية ورغم كونه تصرفاً حضارياً أدى إلى توضيح العديد من القضايا والأمور المتعلقة بالدين الحنيف وبخاتم الأنبياء والمرسلين وتصحيح العديد من الأخطاء إلا أنه لم يحظ بالتغطية المطلوبة وبالتحليلات والتعليقات والأحاديث الصحافية إلى غير ذلك. وهنا نلاحظ أن رد الفعل كان كبيرا جدا عندما نُشرت الصور ونلاحظ أن الشارع العربي والإسلامي تحرك من موريتانيا إلى اندونيسيا.
هذه المسيرات والمظاهرات، مع الأسف الشديد، لم يواكبها عمل مخطط ومدروس ولم تواكبها رؤية واستراتيجية تقوم على التخطيط والمنهجية والعمل الدائم والمستمر الذي لا يتوقف والذي لا يكون عبارة عن مفرقعات وردود فعل تزول بعد ساعات أو بضعة أيام.
وسائل الإعلام تفاعلت مع الإثارة ومع نقل العواطف والمشاعر لكنها لم تفتح صفحاتها للحوار والنقاش مع الآخر، لم تفتح صفحاتها للعلماء والفقهاء والمفكرين للحوار والجدال وإبداء الرأي وتقديم كل هذا بلغات مختلفة إلى القراء في جميع أنحاء العالم سواء من خلال مواقع المؤسسات الإعلامية على الإنترنت أو من خلال مواقع تبنى خصيصاً لهذا الموضوع وتبقى قائمة ومستمرة لإنجاح الحوار والنقاش والجدال مع الآخر.
تجدر الإشارة هنا إلى تغطية فعاليات المؤتمر الذي جمع الدعاة المسلمين بالمسؤولين والشباب الدنماركيين من قبل قناة الجزيرة، كما نشير إلى المبادرة المباركة الذي قام ويقوم بها الشيخ يوسف القرضاوي من خلال موقع «إسلام أون لاين» للتعريف بالرسول صلى الله عليه وسلم والدين الحنيف بأهم اللغات المتداولة في العالم.
وحبذا لو تضاعفت مثل هذه المبادرات إلى العشرات والمئات والآلاف حتى يعم الحوار والنقاش وحتى تسيطر كلمة الحق على الباطل والتشويه والتزييف والتضليل وحتى يتغلب الإعلام المسؤول والملتزم على الدعاية والحرب النفسية.
وهنا نلاحظ أن الإعلام العربي يفتقد إلى رؤية وإلى استراتيجية كما أنه إعلام يقوم على رد الفعل وليس الفعل، حيث إنه ينتظر دائما استفزاز الآخر أو هجوم الآخر حتى يستيقظ من نومه ويذهب يركض يمينا وشمالا ثم يتوقف عندما تهدأ العاصفة وتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي.
إن صيرورة الحوار مع الآخر وبناء الصورة الذهنية ومواجهة حملات الدعاية والتشويه والتضليل بحاجة إلى عمل متواصل ومستمر ومخطط ومدروس، بحاجة إلى رؤية واضحة وإلى استراتيجية تقوم على الفعل المتواصل والمستمر.
فقادة الرأي العام العرب والمسلمين وكذلك العلماء والفقهاء ورجال الإعلام والمؤسسات الإعلامية بحاجة إلى الجلوس على الطاولة لدراسة كيفية تجنب مثل ما حدث في المستقبل، وكيفية وطريقة ومنهجية تقديم الصورة الحقيقية عن الإسلام والمسلمين.
نستنتج مما تقدم أن المسلمين يفتقدون إلى حوارين، حوار مع أنفسهم وحوار مع الآخر. أما بالنسبة للحوار مع أنفسهم فنلاحظ غياب النقاش المثمر والحوار البناء من أجل التفاهم ووضع استراتيجية يعتمدها الجميع.
فزيارة الداعية عمرو خالد ومجموعة من العلماء إلى الدنمارك أثارت خلافات واعتراضات وانتقادات عديدة وكان من الأجدر أن تناقش مثل هذه القضايا بكل صراحة وشفافية وديمقراطية بين الجميع ويتم الاتفاق في الأخير على الطريقة والمنهج
والأسلوب الذي يخدم الإسلام والمسلمين والذي يزيح كل الالتباسات وكل المغالطات وعمليات التضليل والتشويه والإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام والمسلمين. ونلاحظ، مع الأسف الشديد، غياب الحوار وضعفه بين أبناء الأمة الواحدة وبين الدين الواحد.
أما الحوار الثاني وهو الذي يخص الآخر وكيفية محاورته ومخاطبته بلغته ومنطقه ووجهة نظره فنلاحظ فراغاً كبيراً في هذا المجال حيث إن ما يُكتب ويُنشر ويُقال عن الإسلام والمسلمين من قبل الآخر أكثر بكثير مما يقدمه المسلمون والعرب عن أنفسهم ودينهم للآخر. وهذا أمر خطير لأننا نعيش في عصر الصورة والمعلومة ومجتمع المعرفة والمجتمع الرقمي.
وما يُقال عن الإسلام والمسلمين هذه الأيام خير دليل على ذلك حيث إن الصورة المنتشرة عن الإسلام والمسلمين في أرجاء العالم هي صورة الإرهاب والتطرف والعنف وإقصاء الآخر والجرائم والقتل وما إلى ذلك.
والأخطر في كل هذا هو أن سلوك وتصرفات البشر تحددها بدرجة كبيرة عمليات الإدراك المختلفة والصور التي يكتسبونها من خلال وسائل الإعلام المنتشرة بمئات الآلاف في العالم. نلاحظ، مع الأسف الشديد، أن العرب والمسلمين خسروا وما زالوا يخسرون المعركة على جبهتين، الجبهة الداخلية والجبهة الخارجية.
وهنا نتساءل أين هي الكتب وأين هي الترجمات وأين هي الأفلام والمسلسلات وأين هي الندوات والمحاضرات؟ أين هي المؤتمرات الدولية والأبحاث والدراسات والإنتاج العلمي والصناعات الثقافية والإعلامية التي من شأنها الرد على المزايدات وعلى حملات الدعاية والتشويه والتضليل. ماذا فعلته جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي؟
وماذا قدمته مئات الجامعات والمعاهد ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في الوطن العربي؟ إن تصحيح الصورة وتصحيح التشويه والتضليل والتحريف لا يتم بالمظاهرات والمسيرات ولا يتم بحرق الأعلام والمباني والسفارات وإنما يتم على مستوى العقول والأفكار والذهنيات والإدراك وهذا يعني الحوار والجدال والنقاش البناء المبني على المنطق والأدلة والحجج والبراهين.
إن عملية تصحيح التصرفات والمواقف السلبية إزاء الإسلام والمسلمين لا تتم إلا عن طريق الأفكار والمعلومات، عن طريق الحوار والنقاش عن طريق الأسلوب العلمي الحضاري وعن طريق الفعل الحضاري المسؤول الذي يقوم على المبادئ والأخلاق والقيم الإنسانية.
أستاذ الإعلام، جامعة الشارقة