في حمأة حملته المتجددة على «نظام الإنقاذ» الحاكم في السودان يبدو أن الدكتور حسن الترابي ينسى أنه لم يكن جزءاً لا يتجزأ من ذلك النظام فحسب بل كان أيضاً الراعي الأعلى لسلطته والمرشد الايديولوجي لتوجهاته وسياساته ومدير علاقاته العامة على المستوى العالمي.
إذا استخدمنا اللغة القانونية لحالة هذه الشخصية الفريدة حيث كان يوماً ما عميد كلية القانون في جامعة الخرطوم لإعطائه «فائدة الشك» قد نقول إنه ببلوغه الخامسة والسبعين ربما أصيب بضعف الذاكرة. غير أن الأكثر ترجيحاً هو أن الدكتور الترابي يجاهد جهاداً بدوافع ثأرية عميقة من أجل استرداد مكانته السلطوية العليا بأي وسيلة.
في أحدث تصريحاته الإعلامية الهجومية يتهم الدكتور الترابي قيادة السلطة التي أقصته بأنها وراء محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك.وبقدر ما ينطوي عليه هذا التصريح من خطورة فإنه يستدعي طرح تساؤل لا يقل خطورة: لماذا سكت الدكتور الترابي عن هذه «المعلومة» لمدى سبعة أعوام بعد إقصائه من السلطة و11 عاماً بعد وقوع محاولة اغتيال الرئيس المصري في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا؟
لا أعرف إجابة محددة عن هذا التساؤل، لكن أعرف على الأقل القاعدة القانونية العامة التي تقول إن السكوت على جريمة ـ خاصة إذا صار هذا السكوت سنين وليس أشهراً أو أسابيع أو أياماً ـ هو في حد ذاته جريمة.
صيف عام 1995 الذي جرت فيه محاولة الاغتيال كان يشهد بروز مؤسسة شبه سلطوية في الخرطوم أطلق عليها «المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي» الذي كان تنظيماً إقليمياً مظلياً يجمع الأحزاب والمنظمات الراديكالية في العالم العربي والإسلامي. وبالإضافة إلى أنه كان صاحب الفكرة أصلاً، فإن الدكتور الترابي كان أيضاً الأمين العام لتلك المؤسسة التي اختيرت الخرطوم مقراً لأمانتها العامة.
ونستعيد إلى الأذهان أن اسم هذه المؤسسة ورد بشدة في نتائج التحقيق الذي أجرته الأجهزة الأمنية الاثيوبية عام 1995 ونشرت في وسائل الإعلام العالمية، ووفقاً لتلك النتائج أنه بينما جرى التدبير والتنفيذ لمحاولة الاغتيال بواسطة تنظيم «الجماعة الإسلامية» المصرية
فإن دور مؤسسة «المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي» كان يتمثل في توفير اللوجستيات بما في ذلك مساعدة فريق مرتكبي الجريمة على الفرار من أثيوبيا إلى السودان ومن ثم إلى خارج السودان.
هذا ما يفسر لنا لماذا قررت كل من مصر وأثيوبيا سحب شكواهما إلى مجلس الأمن الدولي ضد الحكومة السودانية ولماذا حدث تصالح سياسي وأمني بين مصر و«نظام الإنقاذ» انطلق سريعاً في اتجاه شراكة استراتيجية بين الطرفين حتى الآن، مع شراكة مماثلة على خط مواز بين السودان وأثيوبيا.
وأحسب أن الدكتور الترابي يستطيع أن يستذكر الآن دفاعه القوي في عام 1995 وما بعده عن «نظام الإنقاذ» وتبرئته من الجريمة، وسفره إلى واشنطن حيث خاطب الكونغرس الأميركي مواصلاً مرافعاته الدفاعية عن النظام خارج الحدود.
من حق الدكتور الترابي كزعيم سياسي أن يسعى لاسترداد مكانته السلطوية، وبأي وسيلة لكن على ألا تكون إحدى الوسائل تنكره لسجل ماضيه القريب، فهو بذلك لن يكتسب سوى المزيد من فقدان المصداقية.