مؤتمر الحوار اللبناني رفع جلساته إلى يوم الاثنين المقبل. لجأ مرة أخرى إلى التأجيل. لم ينقطع حبله. وهنا وجهه الإيجابي المطمئن. لاسيما أن أعماله بدأت وتواصلت تحت شعار «ممنوع الفشل». لكن في الوقت ذاته، من الواضح أنه يغالب بصعوبة لشق طريقه وتحقيق التقدم المرجو. بكلمة أخرى، هو متعثر.
وهنا وجهه المقلق. ذلك أن اللبنانيين والعرب متشوقون للانفراج. أو على الأقل لانفتاح بابه. ولو بشقّ صغير يترك الانطباع بأن الأمور انتظمت في مجراها المؤدي إلى الخروج من عنق الزجاجة. مع ذلك، وفي ضوء الواقع اللبناني ومشكلاته القريبة من التعجيز، فإن تقييم أعمال المؤتمر لا يصحّ بمعايير الاختراقات الكبيرة. فمثل ذلك متعذر.
التعقيدات والتداخلات الشائكة لا تسمح بذلك. المقياس الأساسي هو أن لا يحصل انكسار في المؤتمر. والمقياس الثاني، أن يحقق توافقات ولو متواضعة، فهو كمن يمشي على بيض. ولذا فإن التأجيل خير من الانسداد. خاصة أن المؤتمر قد حقق الإجماع حول بعض القضايا: لبنانية شبعا، والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وموضوع الحدود مع سوريا.
بيد أن المؤتمر عندما وصل إلى الأمور الحساسة والكبيرة بدأ يراوح مكانه. وهذا متوقع، فالخلافات جوهرية ولها طابع تأسيسي، في بعض جوانبها. والبطء في معالجتها وتفكيكها أمر مفهوم، شرط أن يكون ذلك وسيلة لشراء الوقت والهروب إلى الأمام.
وما حمل على الخشية أن المؤتمر بدا وكأنه تعذر عليه الالتزام بأجندته الأولية. فقد كان من المقرر أن يستمر بصورة متتالية لمدة 7 إلى 10 أيام، يبقى خلالها المؤتمرون في فندق بجوار البرلمان.
كان الاعتقاد أن القصد من ذلك وضع المؤتمر تحت سقف زمني محدد يفرض عليه الخروج بحلول. وعزَّز الآمال أن الجميع ارتضى بهذه الصيغة، لكن سرعان ما حصل التجاوز، وبدأ مسلسل التأجيل. ترك ذلك أكثر من تساؤل وعلامة استفهام حول إمكانية النجاح.
ما لجم التشاؤم أن الجلسات جميعها جرت في ظل أجواء هادئة وبلغة من الصراحة وعرض الخلافات، خالية من التوتر. حتى جلسة الأربعاء الأخيرة كانت على هذا المستوى، بالرغم من أنها تعاطت ولمدة أربع ساعات مع موضوع الرئاسة، الذي يعتبر الأكثر حساسية والتهاباً. علماً بأنها شهدت عند افتتاحها، بعض تعبيرات العتب المتبادل، لكن سرعان ما تمّ تجاوزها.
وثمة حقيقة إيجابية أخرى مازالت تفرض نفسها، وهي أن أحداً لا يريد بل لا يقوى على تحمّل مسؤولية أي فشل أو انفراط للمؤتمر. وربما كان ذلك أحد أهم صمامات الأمان التي تحكم المداولات وتضمن استمراريتها. يضاف إلى ذلك أن هناك مؤشرات حول احتمال دخول مبادرات ومحاولات عربية قد تكون قادرة على إحراز قفزة نوعية.
رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة غادر إلى شرم الشيخ فجأة للاجتماع بالرئيس المصري حسني مبارك، في ضوء حصول «مستجد طارئ حتّم الزيارة»، كما قال. كذلك ألمح رئيس المجلس النيابي، نبيه بري إلى أن المبادرات العربية «مشكورة ومطلوبة ومرحب بها».
في ظل هذه الأجواء يبدو التأجيل مكسباً على الأقل لأن البديل يفتح الوضع على المجهول. لكن إذا صار التأجيل نمطاً باعتباره المنفذ الوحيد، عندئذ يفقد المؤتمر قيمته ومعناه. وحتى لا تصل الأمور إلى هذا الحدّ على اللبنانيين التمسك بشعار «ممنوع الفشل» والإصرار على ترجمته.