سبحان الله. حتى «الشحاتة» تتطور بتطور ورقي المجتمع، تتغير صورتها واساليبها بحسب تغير المكان والزمان.

عند سوق السمك مازال ذلك المصاب بعاهة دائمة يمد يده طالبا العون، ملابسه مهلهلة، لا ينتعل شيئا في قدميه، وحالته رثة تلفت الانتباه وتستدر العطف، ونصيبه ربع درهم وان زاد حصل على نصف درهم.

وعند المسجد تجلس المرأة المتشحة بالسواد، فارشة منديلا، ولا تظهر عليها اي ردة فعل، سواء أعطيتها ما قسمه الله ام مررت دون ان تلتفت اليها.

فهي لا تنطق بالسؤال او الدعاء، اما »صاحب الدية« فمكانه بين المصلين يوم الجمعة، يقفز قبل ان ينهي الامام سلامه، ينادي أهل الخير والكرم بإغاثة المحتاج الذي حكم عليه بدفع دية خمسة اشخاص قتلهم خطأ في حادث سيارة، ويركض جالسا أمام المخرج، وفي حضنه حكم المحكمة من دولة شقيقة.

أما أمام الفنادق، وخاصة الراقية منها، فيوقفك متسول خمس نجوم، ينزل اليك من سيارة أغلى وأحدث من سيارتك، وقد ترى في يده اليسرى ساعة ذهبية او مطعمة بالالماس.

ويطلب منك بضع مئات من الدراهم لا اكثر، فقد سرقت منه محفظته، وانقطعت به السبل هنا، وهو غير قادر على السفر برا إلى بلاده لأنه لا يملك قيمة وقود سيارته، وقد يصدف ان يكون هذا الشخص هو نفسه «صاحب الدية» الذي كان بالأمس في الجامع.

وفي صالة الفندق يختلف الوضع، فالرجل ينتظر تحويلا من بلاده، وقد تأخر التحويل نتيجة لفروق التوقيت، والفندق بحاجة إلى تأمين لتمديد إقامته، ودون حرج او حياء يضع جواز سفره، وتذكرة طائرته بين يديك، هو لا يريد سوى ألف درهم وسيعيدها اليك صباح غدٍ.

ومن شدة صدقة وحسن تربيته يدعوك إلى الاحتفاظ بالجواز والتذكرة حتى موعد السداد، وإن أبت الشهامة الا ان تقرضه المطلوب، وترفض حجز الجواز والتذكرة حتى لا تأتي عيبا، غاب عنك ولم تره ابدا، الا اذا بحثت عنه مساء عند باب الملهى الليلي.

ومن باب التطور والتحضر ظهرت لدينا وجوه جديدة من المتسولين، أعجبهم ذلك الأشقر الذي لا يقف الا حيث تسمح له كرامته، في «الإمارات مول» مرة، وفي »مدينة جميرا« مرات أخرى.

وقد رصد في المكانين وحسب نوع المكان يكون التصرف، فصاحبنا وضع طاولة صغيرة عليها كم «دبدوب» ولافتة تدعوك إلى التبرع له بعشرين درهما لأنه لا يسمع ولا يتكلم، ولكنه يرى ويميز »العشرة والعشرين«، ولا مانع من ان تأخذ «دبدوبا» هدية، قيمة في الذوق والأدب والرقي، حتى في «الشحاتة» نتعلم منهم، ولهذا لا نرى أحدا يقول لهذا »الأحمر« إن التسول ممنوع، فهو مسكين.

myousef_1@yahoo.com