ثلاث سنوات مضت منذ غزو العراق، تحت لافتة «الحرية» ونشر الديمقراطية، وإرساء الاستقرار وإشاعة السلام، وتخليص العالم من شرور الطاغية، ومنع «الإرهابيين» من استخدام الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، التي قيل للجمهور ان بغداد تمتلكها.
وان صدام حسين الرئيس السابق يهدد باستخدامها ضد الأميركيين والبريطانيين، وصديقتهم المدللة إسرائيل، وبعد ان استبيحت ارض الرافدين، وأهدرت ثرواتها النفطية، وسرقت- حسب التقارير الأميركية المستقلة- من جانب الشركات العملاقة عابرة الجنسيات مثل « باكتيل»، وتبين كذب كل هذه المبررات.
ومع دوران عجلة العنف الطائفي المجنون، وجريان انهار من الدم العراقي في دجلة والفرات،لدرجة ان شباك الصيادين لم تعد تخرج من جوف النهرين سوى الجثث التي ذبحت بيد «إرهابي» أو قتلت في قصف خلال عملية من هجمات الجيش الأميركي التي تتسمى بأسماء مراوغة مضللة، مازالت حملة الأكاذيب مستمرة.
رغم انكشاف الغطاء عن مسلسل الفضائح السياسية والعسكرية التي سبقت الغزو وأعقبته، الأمر الذي يطرح تساؤلاً عن سبب إصرار صناع قرار الغزو على الكذب بعد ثلاث سنوات من سقوط بغداد عاصمة الرشيد، وبوابة العرب الشرقية؟
وهل هذا الإصرار مرده إلى الإدمان، إدمان الكذب - وليس إدمان النفط العربي- أم ان «الورطة» تفرض مخرجاً وحيداً منها عبر الكذب؟.
في البداية، يجب ان نتذكر ان المبرر الرئيسي للغزو كما ساقه الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، هو امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وتهديده للأمن والسلام العالميين.
وقدم بلير تقريره الشهير المدعم بعشرات الوثائق( تبين لاحقا أنها مزيفة) الذي يحذر من ان العراق يمكنه خلال 15 دقيقة شن هجوم بأسلحة الدمار الشامل!
وتابعه بوش وإدارته بنشر أوسع حملة صحافية عن هذه الأسلحة، التي تهدد امن الأميركيين والإسرائيليين، وتبين بعدها أنها حملة أكاذيب ، أجبرت الصحافية جوديث ميللر على التقاعد من عملها لاكتشافها أنها كانت مطية - رغما عنها ـ في هذه الحملة، وقبلها انتحر العالم والخبير البريطاني جون كيلي او نحر، على خلفية هذه الكذبة الأضخم في التاريخ المعاصر.
بعد ثلاث سنوات، تلاشى الحديث عن أسلحة الدمار الشامل، وتم استبداله بحديث «التحرير» ونشر الديمقراطية، لأن الأول انكشف خواؤه.
وثبت كذبه، اما الثاني فمازال موضع جذب واستقطاب لكثيرين من «الواهمين» العرب، الذين يخدعون أنفسهم أو يشاركون في خداع الآخرين بحديث مراوغ ، عن الحرية القادمة على أسنة رماح جيوش الغزو، وانهار العسل والسمن التي ستتفجر من صخور الصحاري العربية القاحلة، عندما يحولها الغازي إلى واحة ديمقراطية.!
استمرار الحديث عن «المهمة» التي لم تنته في العراق بعد ثلاث سنوات من الحرب، لا يعدو كونه محاولة أخيرة لإنقاذ ماء الوجه، حيث ظهر للجميع ان «مهمة التحرير» لم تجلب سوى الدمار والخراب، والفوضى، لبلد كان يتمتع بقدر نسبي من الاستقرار حتى في ظل الحصار الدولي، ووضعته على حافة الحرب الأهلية.
والتقسيم الطائفي، كمحصلة لإذكاء النعرة الطائفية خلال التبشير بـ «المهمة» وإحضار أمراء الطوائف العائدين من المنافي تحت حماية ارتال الدبابات الغازية .
زاد من كآبة المشهد العراقي وفاقم من الخيارات الكارثية التي تنتظره، ان «مهمة التحرير» كانت تخفي الكثير من الأهداف غير المعلنة، وكلها تدور حول إخراج العراق من معادلة الصراع الاقليمي، في البداية كان لصالح إسرائيل، بالطريقة التي صاغها المحافظون الجدد، كمقدمة لبدء أعمال نصل الشرق الأوسط الكبير.
وهو ما دفع بول بريمر أول حاكم أميركي لبغداد إلى حل كل أجهزة الدولة وأولها الجيش والأمن، في وقت كانت المليشيات الطائفية والأفواج السرية التابعة لأجهزة المخابرات الإسرائيلية بعون من أصدقائها العائدين تنشط، والنتيجة الآن فوضى أمنية وخراب.
وصراع حزبي على حصص من كعكة السلطة، وخلط في أوراق الصراع الإقليمي يهدد الجميع، ويفتح «صندوق الكوارث» مثلما قال المنظر والسفير الأميركي زلماي خليل زاد.
صحيح ان الشارع العربي لم يتحرك في ذكرى الغزو، لكن فات كثيرين ان خموله هو احدى نتائج أكاذيب الحرب، وان لم نسرع باستيعاب وهضم درس العراق، فان السيناريو مرشح لان يتكرر بصور أبشع في غير بلد عربي، وعندها ستكون التظاهرات مجرد هزل خارج إطار التاريخ.