أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس برنامجها السياسي الذي ستلتزم به الحكومة الفلسطينية المكلفة برئاسة إسماعيل هنية وهو برنامج يتماشى مع مسلمات حماس كواحدة من فصائل المقاومة.
هذا البرنامج جاء بعد مشاورات طويلة امتدت قرابة الشهر مع جميع الفصائل والقوى الفلسطينية من أجل الوصول إلى الشراكة الوطنية لإدارة الحكم في المرحلة المقبلة، وهي مرحلة حرجة تتطلب عملاً سياسياً لا يلجأ إلى الإقصاء والاستفراد واحتكار القرار وإلغاء الآخر والتعدي على صلاحيات الآخرين.
وقد سعت حماس من خلال هذه المشاورات للتوصل إلى صيغ مشتركة تشكل القاسم المشترك لبرنامج وطني يتناسب مع الواقع الفلسطيني، ويتصدى للتحديات الداخلية والخارجية المفروضة على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. وكان واضحاً أن حماس تبنت آراء وملاحظات الفصائل الأخرى وأعادت صياغة ورقتها السياسية أكثر من مرة.
كما قدمت صيغاً في نقاط التباين تسمح لكل فريق أن يتكئ عليها في الاستدلال على احترام برنامجه السياسي، من أجل أن يتمكن الجميع من قيادة المشروع الوطني على قاعدة الفهم المشترك بين الفلسطينيين.
ولكن هذه المشاورات وصلت إلى طريق مسدود وضاع الأمل في تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد أن أكدت جميع الفصائل الأساسية رفضها الانضمام في الحكومة المقبلة. فحركة فتح رفضت برنامج حماس الحكومي بدعوى أنه لا يلبي متطلبات كتاب الرئيس محمود عباس الذي كلف بموجبه إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة الفلسطينية.
وهذا ما أكده رئيس كتلة حركة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني عزام الاحمد عن أن مواقف حماس لم تتغير وأنها رفضت تضمين برنامجها للنقاط الأربع التي أجمعت عليها كل الكتل البرلمانية الأخري .
والتي تتلخص في الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وأن يتضمن النص وثيقة الاستقلال والموافقة على قرارات الشرعية الدولية والالتزام بالاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل.
كما رفضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقائمة فلسطين المستقلة برئاسة مصطفي البرغوثي وقائمة البديل وهي تحالف الجبهة الديمقراطية وحزب فدا وحزب الشعب فضلاً عن قائمة الطريق الثالث بقيادة سلام فياض المشاركة في الحكومة.
وقال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية جميل مجدلاوي ان الخلاف مع حماس يتمحور حول نقطتين تتعلقان بمنظمة التحرير الفلسطينية والقانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية.
ولكن، ألم تقدم حماس برنامجاً سياسياً براغماتياً يتناسب والمرحلة المقبلة ويتناسب مع تطلعات الشعب الفلسطيني..؟
لقد تضمن برنامج حماس النقاط الأساسية التالية:
1 ـ التأكيد على أن إسرائيل دولة احتلال وإلى استمرار الصراع حتى تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني.
2 ـ ترى حماس أن الهدنة مع إسرائيل واحدة من آليات العمل مع التأكيد على مبدأ أن العالم العربي والإسلامي هو العمق الاستراتيجي للشعب والحكومة الفلسطينيين في المجالات كافة.
3 ـ تأكيد حماس على أن المقاومة هي حق مشروع للشعب الفلسطيني وهي وسيلة وليست غاية، مشيرة إلى استعدادها لمناقشة أي حل لقضية الشعب الفلسطيني.
4 ـ ترسيخ حق العودة للشعب الفلسطيني معتبرة أن حق العودة والتعويض عن الأضرار حق فردي لكل أبناء الشعب الفلسطيني ولايجوز التنازل عنه.
5 ـ تقترح حماس التهدئة بشرطين أساسيين هما: وقف جميع أشكال العدوان على الشعب الفلسطيني في أي مكان وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين في سجون العدو دون أي استثناء.
6 ـ النظر بالاتفاقيات السابقة على أن الأمر مرتبط بمصالح الشعب الفلسطيني.
7 ـ إعلان حماس بأن اتخاذ قرار الاعتراف بإسرائيل هو بيد الشعب الفلسطيني، مشيرة إلى أن هذا الأمر لا يختص بفصيل فلسطيني وحده ولا بأي حكومة وحدها بل بقرار الشعب الفلسطيني أينما وجد.
إن هذا البرنامج السياسي هو برنامج براغماتي يعكس قدرة حماس على لعب الأدوار السياسية بحنكة عالية وفقاً للتجارب السياسية الماضية. فهي من جهة لم تتخل عن المقاومة.
أو تقدم اعترافاً مجانياً لإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لن تغلق الباب أمام أي خطوة تهدف إلى تحقيق تسوية سلمية تضمن للفلسطينيين الحقوق الدنيا المتفق عليها فلسطينياً. ما عدا ذلك فإن الواقعية السياسية تجسد تنازلات عن المبادئ والحقوق الوطنية المشروعة.
من هنا فإن هذا البرنامج الحكومي الحذر سيسعى إلى التوفيق بين هذين الأمرين من خلال عودة الحكومة الجديدة إلى الشارع الفلسطيني لاستفتائه عند وجود أية رؤية لعملية سلمية حقيقية، حتى وإن أدت إلى الاعتراف بإسرائيل، وعندها فإن هذه الحكومة لن تترك لأي مزايد مجالاً للمزايدة، حيث ان الشعب الفلسطيني هو الذي سيكون صاحب القرار بالاعتراف بإسرائيل وإقرار تسوية معها من عدمها.
إن حماس التي رأت في نتائج الانتخابات التشريعية خطوة مهمة لترتيب البيت الفلسطيني وحماية المشروع الوطني والمؤسسة الفلسطينية تؤمن أن عليها استكمال هذه الخطوة المهمة لتشمل الشعب الفلسطيني في الشتات من اللاجئين والنازحين لإعطائهم أفقاً حقيقياً كما أعطي الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن هنا أجمعت جميع القيادات في حماس الداخل والخارج على ضرورة إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سياسية وديمقراطية جديدة تؤمن مشاركة جميع القوى الوطنية والإسلامية في مؤسسات المنظمة، وتساهم في إعادة دورها كإنجاز وطني وبيت لكل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
إن التحديات التي تواجهها الحكومة الجديدة كبيرة وصعبة. فأمامها تركة غير سليمة تحتاج إلى إصلاحات حقيقية لتحقيق الأهداف الوطنية المشروعة كإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس وحماية حق العودة. وهذا سيتطلب دعماً كبيراً للشعب الفلسطيني وسلطته وحكومته المنتخبة من الأطراف العربية والدولية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية الموقف السعودي والخليجي الذي أعلن استمرار دعمه المالي والمادي للشعب الفلسطيني بالرغم من الضغوطات الخارجية.
لا شك إن فوز حماس بالأغلبية البرلمانية في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وتشكيلها الحكومة الفلسطينية المقبلة سبب قدراً كبيراً من التشاؤم، لدى العديد من المحللين والسياسيين في فلسطين والخارج، إزاء مستقبل المسيرة السلمية لاسيما في ضوء إصرار الحركة على ثوابتها المعروفة، في رفض الاعتراف بإسرائيل والتمسك بخيار المقاومة.
هذا التشاؤم جاء على استنتاج مفاده أن عملية السلام وطرفيها الفلسطينيين والإسرائيليين يسيرون في طريق العودة إلى المربع الأول للصراع، وكأن المسيرة السلمية لم تبدأ على الاطلاق.
ولكن الحقيقة المؤكدة هي أن المربع الاول، بمواصفاته القديمة، لم يعد موجوداً بعد هذه السنوات الطويلة من التفاعلات الرسمية والشعبية والمواجهات السياسية والعسكرية، وأن هناك واقعاً تشكل بالفعل نتيجة لهذه التفاعلات. ومن الصعب أو المستحيل القفز على هذا الواقع في ظل المعطيات الراهنة، بل بسبب هذه المعطيات.
إن أمام حماس تحديات جسيمة وعقبات كبيرة كما كان الأمر مع حركة فتح والقوى الفلسطينية الأخرى. وهذا الأمر ليس غريباً أو مستغرباً عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ولكن التحدي الأكبر والأهم لحماس في المرحلة القادمة يتلخص في قدرتها على التعاطي بحنكة وحكمة عاليتين مع ملفين أساسيين: القوى الفلسطينية المعارضة والأطراف العربية والدولية.
isam997@hotmail.com