كما في سيرة التراجيديا الفلسطينية التي تحولت إلى سيرة دائمة على جدول أعمال المنطقة، أفاق الفلسطينيون في صباحهم ما قبل الربيعي بقليل على أصوات القذائف والرصاص الإسرائيلي، وعلى وقع جنازير دبابات الاحتلال في رام الله وأريحا، حيث يقبع هناك العشرات من الشبان المناضلين من حملة البيارق والبنادق.

فلم تأت العملية العسكرية الإسرائيلية الضخمة التي جرت قبل ظهر يوم 14 مارس الجاري، والتي استهدفت مقر قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية في منطقة المقاطعة في قلب مدينة رام الله، وتدمير واقتحام سجن أريحا، من فراغ.

بل جاءت في مجرى التسخين العالي الإسرائيلي، وفي سياق التساؤلات المطروحة بشأن التغطية الأميركية والبريطانية والسلوك غير المفهوم لكل منهما، على أبواب الانتخابات الإسرائيلية للكنيست السابعة عشرة، والمقرر إجراؤها نهاية الشهر الجاري.

فقد انسحب الفريق المشترك الأميركي البريطاني قبل وقت قصير من بدء الهجوم الإسرائيلي لمقر سجن أريحا، تاركين المجال مفتوحاً أمام قوات الاحتلال للمس بحياة المناضلين الفلسطينيين المعتقلين داخل السجن، وعلى رأسهم المناضل أحمد سعدات عبد الرسول الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ التنظيم الريادي الثاني في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية.

وهو التنظيم الذي أسسه المناضل الفلسطيني جورج حبش، وقدم أمينه العام السابق الشهيد أبو علي مصطفى على مذبح حرية الشعب الفلسطيني واستقلاله وحقه في العودة.

إن معتقلي سجن أريحا منذ يوم 29/4/2002، وهم تحت الإقامة القسرية منذ سنوات، فقد تم نقل العميد فؤاد الشوبكي مدير الإدارة المالية للسلطة وحركة فتح، وأحمد سعدات عبد الرسول الأمين العام للجبهة الشعبية.

والمناضلين الأربعة الذين قتلوا المتطرف الصهيوني الجنرال رحبعام زئيفي زعيم زمرة موليديت اليمينية التوراتية المتطرفة (عاهد الغلمة، حمدي قرعان، باسل الأسمر، مجدي الريماوي) إلى سجن أريحا تحت إشراف وحراسة أميركية وبريطانية.

فضلاً عن وجود بضع عشرات من الكوادر الأمنية للسلطة الوطنية الفلسطينية ومن أعضاء كتائب شهداء الأقصى. هذا على الرغم من القرار الذي أصدرته المحكمة الفلسطينية العليا، التي تمثل أعلى الهيئات القضائية الفلسطينية.

والمتمثل بإطلاق سراح المعتقلين، حيث لا يمكن معاقبة الكوادر الفلسطينية الفاعلة في صفوف المقاومة المشروعة، في الوقت الذي لم تتوقف فيه حرب الإرهاب والاغتيالات الإسرائيلية التي طالت الكوادر العسكرية والسياسية والمدنية الفلسطينية على حد سواء.

فقد نفذت حكومة شارون وقادت سلسلة طويلة من عمليات الاغتيال التي طالت أبرز قيادات وكوادر الصف الأول عند الطرف الفلسطيني، واستتبعت السياسة اياها بمزيد من نهج «القبضة الحديدية»، وقبل أقل من أربعة أعوام مضت، لم يكن أحد من الفلسطينيين يدرك أو يتوقع أن تصل حدود الاغتيالات الإسرائيلية ما وصلت اليه من حيث اتساعها.

ومن حيث الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا الفائقة التطور في عمليات الاغتيال. فقد سقط منذ اندلاع انتفاضة الأقصى أكثر من 400 شهيد من قادة الصفين الأول والثاني من كوادر قوى المقاومة بتلاوينها المختلفة، برصاص وصواريخ الاغتيالات المباشرة.

كما لم يكن الإسرائيليون ذاتهم يدركون بأن هذا السيل من الاستخدام المفرط للعنف والقوة ضد قادة ومفاصل العمل الفدائي الفلسطيني الجماهيري والمقاوم، سيرتد عنفاً مقابلاً مشروعاً، ولن يوقف حركة الانتفاضة الشعبية والمقاومة الفدائية المسلحة.

أو أن يحد من تناسل القيادات الميدانية الشابة الصاعدة إلى مواقع من غادر الساحة شهيداً بعمليات الاغتيال أو أسيراً داخل قضبان معتقلات الاحتلال.

ان الحدث الأخير أبعد من استهداف الجبهة الشعبية فقط، فالتوقيت المدروس للعملية العسكرية الإسرائيلية، يثير التساؤلات حول السلوك الأميركي البريطاني الأخير.

ويحمل دلالات ومؤشرات بالغة، في رسالة إسرائيلية نارية للتشكيلة القيادية الفلسطينية التي انبثقت عن انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، خصوصاً بعد تكرار لغة التهديد لشخص إسماعيل هنية المكلف بتشكيل الحكومة الفلسطينية.

وعليه، يمكن القول بأن العملية العسكرية الإسرائيلية، تأتي لإشغال الساحة الفلسطينية، وإعادة «خربطة» الأوراق والأوضاع الداخلية، وتوسيع هوة التباين بين القوى الفلسطينية بشأن الرد من عدمه على السلوك العسكري الإسرائيلي.

ومن أجل إحراج حركة حماس ورئيس الوزراء القادم من صفوفها، في وقت تواصل فيه القوى والفصائل الفلسطينية سعيها الحثيث للتوافق على برنامج مشترك في اطار حكومة ائتلاف وطني موسعة.

عدا عن سعي ايهود أولمرت ومجموعات المتطرفين من العسكريين والأمنيين الإسرائيليين لتثمير أجواء التسخين العسكري الدموي ضد الفلسطينيين لإرضاء الجمهور اليميني الصهيوني وأوساط المستوطنين في سياق العملية الانتخابية الإسرائيلية القادمة قبل نهاية مارس الجاري.

وفي هذا السياق، يمكن القول بأن المساس الإسرائيلي بأي من الكوادر الموجودة داخل المعتقل، والمساس بالأمين العام للجبهة الشعبية والعضو المنتخب في المجلس التشريعي الفلسطيني أحمد سعدات عبد الرسول على وجه الخصوص، سيكون بمثابة الصاعق الذي سيفجر الوضع بأسره داخل فلسطين ووراء الخط الأخضر في فلسطين المحتلة عام 19483.

الأمر الذي أشار إليه ماهر الطاهر المسؤول الأول للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خارج فلسطين. فالجبهة الشعبية تنظيم يحظى بالحضور والاحترام داخل الشارع الفلسطيني، ولها باع طويلة في معالجة وردع التصعيد الإسرائيلي.

فقد قدمت المئات من كوادرها القيادية من الشهداء : غسان كنفاني إلى وديع حداد إلى فايز جابر وصولاً إلى الأمين العام السابق الشهيد أبوعلي مصطفى.

ان الرد الفصيح، والصمود، وروح الإصرار، والتحدي الذي أطل به قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورفاقه المعتقلين عبر تصريحاتهم من داخل المعتقل، أعطت الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات جرعات قوية وفعالة من الأمل المشحوذ بالحلم الفلسطيني المشروع.

فقد أعاد أحمد سعدات ورفاقه كتابة صمود الشهيد ياسر عرفات، وأعاد تسجيل «كومونة» جديدة في سفر التكوين الفلسطيني، وفي سيرة الانبعاث من بين الركام والسجون والآلام.

sultan bsu@hotmail.com

كاتب فلسطيني ـ دمشق