على طريقة أبي الطيب المتنبي شاعر العرب الأكبر عندما تساءل: عيد بأية حال عدت يا عيد، يحق لنا أن نتساءل عن قمة الخرطوم المنتظرة ففي العاصمة نفسها انعقدت عقب نكسة يونيو 1967 قمة عرفت بقمة اللاءات الثلاث.
وفيها أغلق العرب الباب أمام أي اعتراف بالكيان الصهيوني أو أي تفاوض معه، واليوم تنعقد قمة الخرطوم وعدة دول عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكن هذا ملمح واحد وحسب فالقمة اليوم تأتي في عالم مختلف وبالتالي في عالم عربي مختلف وهي قمة عرب آخرين غير عرب الثورة والمعركة.
فبأية حال عدت أيتها القمة؟
مراجعات وتراجعات حتى قمة الخرطوم كانت القضية الفلسطينية القضية الأولى على جدول أعمال القمم العربية وكانت حتى قمة الخرطوم وبعدها بقليل عامل تقارب بين النظم العربية - وإن لم يخل الأمر من منافسة عليها .
- وهي مع اقتراب قمة الخرطوم الثانية قضية ضمن قضايا أخرى، فهناك مشكلة في العراق وتوتر في لبنان وأزمة حول سوريا وزلزال في السودان نفسه. ففي قمة الخرطوم الأولى كانت هناك مشكلات لكن كان هناك قاسم مشترك تتفاوت درجة القناعة به تفاوتا نسبيا دون وجود تناقضات كالتي يشهدها العالم العربي اليوم.
فمن المفيد في إطار المكاشفة والمصارحة أن نشير إلى «تراجعات» و«مراجعات»، أما التراجعات فبلغت القمة - أو القاع - باحتلال العراق بعد مسار طويل لم تكن محطته الأولى حرب أهلية لبنانية ولم تكن محطته الأخيرة ارتداد الصومال إلى مرحلة ما قبل الدولة، وبين هذا وذاك قائمة طويلة تضم الحرب الأهلية في السودان نفسه والصراع السياسي الدامي في الجزائر ومصر، وهكذا.
أما المراجعات فكانت نتيجة طبيعية لغزو النظام البعثي العراقي للكويت بشعارات قومية دفعت عربا عديدين لمراجعة موقفهم من العروبة كرابطة سياسية وهو ما أطلق عليه بعض المحللين آنذاك حالة «الكفر» بالعروبة.
وبطبيعة الحال امتدت المراجعات لغير العرب في العالم العربي من بربر وأفارقة وأكراد لأن يرفعوا الصوت عاليا معترضين على فرض «الهوية» بالقوة سواء كانت القوة خشنة أو ناعمة.
وعندما يجلس الحكام العرب على طاولة القمة تكون السودان في مواجهة مشكلات وبالتالي قد تكون القمة دعما له كما يؤكد بعض من يصرون على رؤية العالم من ثقب ابرة اسمه حقبة «التحرر الوطني».
ولكن القمة قد تكون عبئا على السودان الذي دخل بالفعل نفقا مظلما قد لا ينفعه فيه منطق اللاءات الذي تجاوزه الزمن. وقد أصاب السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان السابق عندما فسر المصير المزري لقرارات القمم العربية السابقة (17) بأن قرارات القمم تنفذ عندما توافق عليها حكومات منتخبة تخضع للمساءلة (الشرق الأوسط الندنية 5 - 3 - 2006) ما يعني أن الديموقراطية شرط موضوعي لتوقف مسلسل التراجع العربي المتواصل.
قمة عرب الأزمة
القمة من ناحية أخرى تكاد تقصر جدول أعمالها على نقاط ساخنة مهددة بالانفجار ومشكلات مزمنة ولا يكاد يوجد بصيص أمل في أن تتبنى عملا واحدا جادا في سبيل عمل عربي مشترك أكثر رشدا أو أكثر حرية وبالطبع لا ينتظر أحد أن نفعل في «الشدة» ما لم نفعله في الرخاء.
فخلال ربع قرن يمتد من الثمانينات حتى الآن مرت ظروف دولية عديدة كانت تتيح إنجاز شيء ذي قيمة لكن سنوات الانفراج النسبي عصفت بها نزوة غزو النظام البعثي للكويت وأصبحت المنطقة العربية كلها تنتقل من سيئ إلى أسوأ على وقع تداعيات يفضي بعضها إلى بعض حتى اللحظة الخطيرة التي تنعقد فيها قمة الخرطوم.
والسمة الأكثر بروزا في المشهد العربي عشية قمة الخرطوم هي اتجاه عام للانكفاء على الداخل في العراق ولبنان والمغرب العربي مقابل محاولات لبناء جبهة عربية تضم مصر وسوريا والسودان كنواة صلبة لموقف عربي موحد .
وهي جبهة أضعف كثيرا من التحالف الثلاثي (المصري - السوري - السعودي) الذي قاد العمل العربي المشترك لعقود وهو تحالف أصابه اغتيال الحريري وما تلاه في مقتل، فضلا عن أن سوريا والسودان تواجهان ضغوطا كبيرة تجعلهما غير مؤهلين للعب دور إقليمي كبير.
والانكفاء على الداخل هنا لا يقصد به «الاستقالة» من العروبة بل الاعتراف بأن حقبة الثورة انتهت وتلتها حقبة الأزمة، وفي الأزمة يجب إعطاء الأولوية لبناء الذات قبل الطموح إلى تغيير العالم أو إعادة بنائه بمنطق ثوري حالم.
ولعلها لحظة تاريخية أن يلتقي حكام العرب مرة ثانية في الخرطوم ليواجهوا استحقاقات كثيرة معقدة متشابكة في عالم يتغير، فإن لم يترجموا إدراكهم لطبيعة ما تغير فستكون قمة الخرطوم محطة عربية أخرى على طريق التراجع والتأزم، ومن ثم فإنني مرة أخرى أتساءل على طريقة أبي الطيب المتنبي: قمة بأية حال عدت يا قمة؟!
كاتب مصري
