كثر الحديث هذه الأيام عن الموقف من لقاء الحضارات، وغلب على الألسنة تعبير صراع الحضارات الذي سكه صمويل هنتنغتون، وتعبير حوار الحضارات الذي جاء رداً على التعبير السابق.

وأشاروا في هذا الصدد إلى المثاقفة بمعناها الإيجابي والسلبي، ومع الأسف لم يهتم الناس بهذا المصطلح في جانبه السلبي أو الإيجابي لولا أن سجالاً غير بريء دار حول العلاقة بين الحضارات، نَجمَ من تغوّل القوى الكبرى واستبدادها بالقرارات المصيرية التي تهم العالم بأسره.

واتخذ هذا السجال المنحى الأكاديمي والفلسفي، على أيدي نفر من السياسيين الذين يغلفون المصالح الاقتصادية والاستعمارية بالمنحى العلمي والأخلاقي من أمثال مجموعة تعشش في رؤوسها أوهام القوة والسيطرة والغطرسة .

وتنطلق ابتداء من أوهام القوة والتعالي والنظرة الاستعلائية المستندة في الأغلب إلى العنصرية ونظرية الطبائع الثابتة، فاخترعوا نظرية صراع الحضارات لا من خلال البحث التاريخي وملاحظة الظواهر والاستنتاج من الوقائع .

ولكن من خلال فكرة معدة سلفاً هدفها التضليل الإعلامي أكثر من الاتجاه نحو سجال علمي يؤدي إلى فهم مشترك أعمق للحياة الإنسانية على هذا الكوكب الذي يعج بالتناقضات والأهواء والنزاعات والمصالح المتضاربة.

وإن الدهشة لتعترينا في الغالب حين نرى هذا الضجيج الهائل حول صراع الحضارات في الحقبة الأخيرة، ولا سيما بعد زوال الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي والتغيرات الحاسمة في رسم خريطة العالم، والبحث المسعور عن عدو محتمل للعالم الحر سرعان ما تكشف للمنظرين والسياسيين وعلماء الاجتماع والحضارة الغارقين في عنصريتهم وتضليلهم أنه الإسلام وما سموه أحياناً بالإسلام الراديكالي.

ولعل أكثر ما يدعو إلى العجب والاستغراب وضع العالم العربي والإسلامي ـ المسالم المعتدى عليه دائماً ـ موضع العداء ومكمن الخطر، وهو العالم الذي يطوي جناحيه على قدر كبير من التسامح والود وربما الإذعان لأجل ما ينال به ود الغرب ورضاه وصداقته.

فالعالم العربي والإسلامي هو الذي يتعرض للغزو والاحتلال وسلب الحقوق والاضطهاد والتشريد، دون أن يتحرك أحد من حكماء العالم في الأغلب لذكر كلمة واحدة بحقه تشير إلى الظلم وانتهاك الحقوق.

ولعل الاستعمار نفسه من الجرائم الكبرى بحق الإنسانية، إذ ادعت القوى العظمى وصدقت ما زعمته أنها جاءت للتعمير والتطوير والتعليم والتهذيب، مع أنّ سجلها يشهد أنها زرعت الرعب والقتل والدمار ولم تسهم في تقدم المجتمع إلا في أضيق نطاق يكفل من منطلقها الحقيقي تحقيق مصالحها.

ويكفي أن نتذكر ما قاله أحد الجنرالات الكبار من المتقاعدين القدماء في الجيش الإمبراطوري حين سأله أحد الإعلاميين عن قسوة الجرائم التي ارتكبها الجيش في مستعمراته في الهند حين كان يطلق المهراجا المعارض لسياسة الإنجليز من فوهة المدفع وكأنه القذيفة نفسها: لولا هذه القسوة لما كنتم تنعمون الآن بهذا العيش الرخي في زمانكم الحاضر.

والذي يتأمل شبكة الأنفاق الأرضية المذهلة للقطارات في العاصمة البريطانية ويعلم أنها بنيت بأيدي أبناء المستعمرات البريطانية من القارة الهندية والقارة الإفريقية يعرف كم كانت المصالح الاستعمارية هي الهدف ولم يكن صالح الشعوب المستعمرة يحسب له أي حساب.

ولا ينسى أحد في العالمين العربي والإسلامي أن القضية الفلسطينية التي كلفت الأمة ولا تزال تكلف على مدى قرن من الزمان التضحيات المختلفة من صنع الغرب.

فالمسألة اليهودية في الأصل هي من نتاج الحضارة الغربية، ولم تكن أبداً من صنع العرب والمسلمين، فالمسلمون واليهود معاً لاقوا الاضطهاد من هذه الحضارة ومشكلتنا اليوم هي حل لمشكلة غربية من ناحيتين: الحيلولة دون قيام كيان عربي قوي قد يهدد المصالح الغربية من جانب.

والإسهام في قيام كيان غريب ذي أطماع إيديولوجية واستراتيجية يمزق الأمة ويبعث في أوصالها على القلاقل والاضطرابات وفقدان الأمن والاستقرار باستمرار من جانب آخر . وبعبارة أخرى: لقد صدّروا مشكلاتهم إلينا وعابوا علينا أننا نشكو أحياناً من مطالبتنا ببعض الحقوق.

وفي غمرة هذا الوهن الذي أصاب الأمة منذ قرون تنطلق فكرة صراع الحضارات ليس من منطلق البحث العلمي الرصين بإعادة النظر فيما هو قائم، ومحاولة رد بعض الحقوق إلى أصحابها والاعتراف بالخلل الناجم من عدم الاعتراف بهذه الحقوق.

ولكن بالإمعان في تجريم المعتدى عليه والتدليل على ذلك ببعض المظاهر السلبية التي لا تعد القاعدة ولكن الاستثناء، وهي بكل المقاييس لا تمثل فعلاً منهجياً بقدر ما هو ردة فعل أسهمت الحضارة الغربية بقوة في صنعه.

إن صراع المصالح والأهواء، والتحارب على حيازة المجد والعظمة والقوة أمر معروف، ولقد عرفت البشرية هذا اللون من الصراع، وقد يكون جزءاً من الطبيعة البشرية.

وهذه سنة الكون، على أن التنظير لهذه الممارسات على أنها فعل حضاري يمثل مغالطة كبرى، فالحضارات تتحاور وتتكامل وتغتني الواحدة بالأخرى. فتقدم الإنسان يجب ألاّ يؤسس لنظرية القوة والغطرسة والهيمنة بلا مبادئ، انطلاقاً من نظريات الطبائع الثابتة والأمم المتحضرة بالطبيعة والجوهر وخرافة النبلاء الذين تجري في عروقهم الدماء الزرقاء.

فالصراع، إن وجد، ينبغي أن ينحو منحى أخلاقياً بحيث تتلاشى المسافة بينه وبين الحوار، فتستطيع كل حضارة أن تجد الحد الفاصل بين مصلحتها وبين حق الآخر في الوجود، ولا بد من الاعتراف بأن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك.

وأما فصل الخطاب فإن الحوار، إن ظهر حوار جدي بين الحضارات، فلا يتم إلا بامتلاك القوة التي تعد سياجاً لأي حوار، وبغير القوة تظل القيم والمبادئ والمواثيق الإنسانية وكل منظومات الشرف والأخلاق عرضة للانتهاك المستمر.

ويصبح كل شيء كلاماً في كلام، ولو بحثنا بجدية لعرفنا كم تختزن حضارتنا على صعيد النظرية والتطبيق من قيم تدعو إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن واحترام إنسانية الإنسان بأعمق المعاني وأوضحها، ولكن كل ذلك وحده لا يفيد إن افتقدنا القوة التي هي السياج وما فوق السياج ولنتذكر دائماً أن التاريخ دائماً يكتبه المنتصرون.

جامعة الإمارات