بعد مصرع أكثر من 2300 جندي أميركي مع استعار الجحيم العراقي إلى أجل غير مسمى، تكتشف مجموعة «المحافظين الجدد» ـ شخصيات يهودية توجه إدارة الرئيس بوش ـ إن الولايات المتحدة ليست القطب الدولي الأوحد. فمع حلول الذكرى الثالثة لحملة الغزو الأميركي على العراق نرى كيف يتشكل بالتدريج عالم متعدد الأقطاب مع ازدياد عزلة الولايات المتحدة.

هكذا يشاهد المحافظون الجدد نظريتهم التي أطلقوا عليها عنوان «الحرب الاستباقية»، وهي تتمزق إرباً إرباً على الصعيد التطبيقي في المسرح العراقي الدموي من ناحية وساحة الصراع الدولي من ناحية أخرى.

بكلمة واحدة غير مخلّة تعني «الحرب الاستباقية» (أو الوقائية) أن تعمد الولايات المتحدة إلى الإطاحة بنظام حاكم عن طريق القوة العسكرية إذا دعت الضرورة.

ورغم أن الهدف في مثل هذا الإجراء العدواني السافر هو إشاعة الديمقراطية، إلا أن التطبيق أثبت أن استهداف هذا النظام أو ذاك ينبع من اعتبارات حماية الدولة اليهودية الإسرائيلية وضمان بقائها قوة إقليمية متفوقة في منطقة الشرق الأوسط.

إلى أن اتخذت إدارة بوش قراراً مبدئياً بغزو العراق، ومنذ مطلع عقد التسعينات كانت الولايات المتحدة في نشوة سكرى بعد انهيار المعسكر السوفييتي الاشتراكي وزواله من على وجه الوجود، حينئذٍ ظهر «النظام العالمي الجديد».. كناية عن دخول العالم مرحلة جديدة تماماً يتحكم فيها قطب دولي أوحد ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ ونظام اقتصادي دولي أوحد: النظام الرأسمالي.

وبلغت النشوة الأميركية ذروتها بظهور كتاب «نهاية التاريخ» للفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكوياما الذي أطلق فيه حكماً جزافياً بأنه بسقوط القلعة الاشتراكية العالمية ستبقى الرأسمالية النظام الأوحد للبشرية الذي لن يخلفه نظام ايديولوجي آخر.

ورغم أن أثر السكرة الأميركية تضاعف عندما استأسدت الولايات المتحدة على العالم بعد تفجيرات سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، إلا أن بروز تعدد قطبي دولي قوي أخذ يتبلور عندما تكشف اعتزام واشنطن القيام بالمغامرة العراقية.

حينئذٍ قررت القوى الدولية الأخرى صاحبة الفيتو داخل مجلس الأمن الدولي (فرنسا وروسيا والصين) وخارجه (ألمانيا) أن تتحدى الولايات المتحدة باتخاذ معارضة صارمة ضد غزو العراق، وبالفعل وإزاء هذه المعارضة المكشوفة فشلت الولايات المتحدة في الحصول على شرعية دولية لحملة الغزو.

وما جرى بعد ذلك ـ ولا يزال يجري ـ يتمثل في تداعيات عزلة الولايات المتحدة المتورطة في مأزقين عراقي وأفغاني تزداد بقدر ما تتصاعد استقلالية الأقطاب الدولية الأخرى عن واشنطن.

وأقرب مثال لهذا التناقض المتنامي هو المعركة الدبلوماسية على صعيد مجلس الأمن الدولي حول إيران وملفها النووي، حيث تجاهد واشنطن من دون جدوى من أجل استصدار قرار دولي حتى لفرض عقوبات رمزية على الدولة الإيرانية. فبينما تبدي روسيا والصين معارضة، فإنه حتى الحلفاء في الاتحاد الأوروبي ـ باستثناء بريطانيا ـ يترددون.

والمغزى واضح: الولايات المتحدة لن تحصل إطلاقاً على قرار دولي لضرب إيران. وفي هذه الأثناء ستكتفي الأقطاب الدولية الأخرى بمشاهدة أميركا تتنقل من فشل إلى فشل أشد في المسرح الدموي العراقي مع استمرار نزيف الاقتصاد الوطني الأميركي.