في الذكرى الثالثة لاحتلال العراق، كرَّر الرئيس بوش اعتقاده بأن الأمور تسير على ما يرام، وقد أثنى على العملية السياسية «السائرة قُدماً».
وعلى هذا الأساس خاطب الأميركيين بلغة التأكيد بأن السياسة التي يعتمدها هناك «سوف تؤدي إلى النصر»، وحسب تعريفه، فإن النصر يعني وصول العراق إلى وضع ديمقراطي يكون من خلاله «قدوة في المنطقة».
نائبه تشيني تحدث باللغة التطمينية المتفائلة ذاتها معرباً عن استخفافه بالتقديرات المتباينة والمتناقضة مع رأيه.في الوقت نفسه خرجت قيادات عراقية عن تحفظها، في معرض تقييمها للمرحلة الراهنة.
وراحت تسمي الأشياء بأسمائها لأول مرة. فهي لم تعد تكتفي بالحديث عن التردي الأمني وسوء الحال ودورة العنف المتصاعد بل تجاوزت هذا التوصيف لتقول بصراحة ان الصراع الدائر قد دخل في دائرة «الحرب الأهلية».
وهؤلاء شهود من أهلها، وعلى دراية أفضل بما يجري على الأرض؛ لأنهم على تماسٍ يومي معه، فهل ما يقوله الرئيس بوش مع نائبه، هو مكابرة تنضوي في إطار التشبث بالسياسة المعتمدة؛ أم في إطار الاستهلاك المحلي؟
محور الحديث الإعلامي والسياسي الراهن؛ من واشنطن إلى المنطقة يدور حول الأرباح والخسائر لتلك الحرب. الغالبية الكاسحة للتقييمات، بما فيها الأميركية ـ من حزب الرئيس وخصومه ـ تضع الحصيلة في خانة الفشل،.
وفي أحسن الحالات في خانة التعثر، خاصة إذا ما قيست النتائج بمقاييس الوعود التي أطلقها الرئيس بوش يومذاك، ولا يزال يكررها؛ حول حملته وأغراضها، فعراق اليوم بهذا المعيار هو أبعد ما يكون عن بلوغ هذا الوضع، بل هو على النقيض من ذلك، فمصيره على المحك، حتى لا نقول إنه مهدد، تحيط به مخاطر عاتية.
وفي أحسن الحالات، هو على مفترق الطرق مفتوح بكل الاتجاهات، الوقائع والشهادات تضعه في هذا الموقع. فقد انقضى على انتخابات المجلس الوطني التشريعي حوالي شهرين، وبالرغم من هذه المدة فقد تعذر حتى الآن تشكيل حكومة قادرة على الحكم، والمساعي المبذولة في هذا الصدد وصلت إلى شبه حائط مسدود.
العنف هو الآخر منفلت أكثر من أي وقت مضى، والأخطر أنه يأخذ طابع «التصفيات الطائفية» على أيدي «فرق الموت» من كل صنف، والتي أدت عملياتها إلى القتل بالجملة وإلى ظاهرة الجثث المكوّمة بعضها فوق بعض.
والتي يعثر عليها في أمكنة متفرقة، وقد بلغ الأمر حدا حمل قيادات مثل مقتدى الصدر ورئيس الحكومة العراقية السابق، اياد علاوي، إلى توصيف ما يحصل بأنه «حرب أهلية» متصاعدة تحصد «ما معدله 50 قتيلاً يومياً».
ومثل هذا الاعتراف لا يبدو أنه جاء فقط كتعبير عن استفظاع ما يجري بل أيضاً وأساساً جاء من باب وضع الأمور في نصابها، ولم يقتصر الأمر عليهما فقط، في هذا الخصوص، فقد سبق قبل أيام، لوزير الدفاع الأميركي أن أشار إلى هذه الحرب؛ عندما قال إن القوات الأميركية لن تكون في ميدانها، لو انفجرت، كما أشار إليها قائد هذه القوات في العراق.
تأكيد الرئيس بوش، مع نائبه، على العكس، سواء من باب المعاندة والتسويق الداخلي، لا يغير في الأمر شيئاً. وحدهم العراقيون قادرون على تغييره؛ إلا إذا أصروا على نكران الواقع وطمر الرأس في الرمال.