طفا على السطح خلال الاسبوع الماضي موضوع حل السلطة الفلسطينية باعتبار انها لم تعد تمارس اي شكل من اشكال السيادة، ولم تعد الدول الراعية لاتفاقات اوسلو وما تلاها تحترم هذه الاتفاقات، بل ايدت ما هو نقيضها، اي الخطط الاسرائيلية احادية الجانب، التي وضعت كردٍّ على خطة الطريق ومرجعيتها الدولية، اي قرارات الامم المتحدة بدءاً من القرار 191 الى 242 الى 338.

وكان هذا الموضوع طرح في بداية الانتفاضة عندما وقف العالم موقف المتفرج على الممارسات الاسرائيلية والمذابح، وبدلا من الضغط على الاسرائيليين اخذ الاميركيون يضغطون على الجانب الفلسطيني.

وقد قلت للرئيس الراحل ياسر عرفات ذات يوم قبل حصاره بعد ان اشرت في مقال الى ان سلاح حل السلطة هو السلاح الباقي الوحيد في يده، فقال بعد ان استعرض الوضع العربي المتردي انه صاحب مشروع وطني مقاوم ولا يترك اهله ويهرب الى الخارج.

عرفات كان يدرك جيدا انه في حالة حله للسلطة وبقائه في الخارج فإنه لن يجد بلدا عربيا او اسلاميا يوافق على استقباله ولهذا فضل البقاء والمقاومة الى ان اغتيل. وأجزم ان فكرة حل السلطة او استقالة الرئيس راودت ابو مازن اثناء وجوده في ستراسبورغ عندما وصلته انباء اقتحام القوات الاسرائيلية لمبنى مقاطعة اريحا وإجبارها رجال الشرطة على التعري تحت كاميرات التلفزة في بث حي ومباشر لجميع انحاء العالم.

لكن ابو مازن مثله مثل عرفات ربما لن يجد مكانا يذهب اليه بعد ستراسبورغ في حالة اعلانه استقالته او حل السلطة لأنها قامت على اساس اتفاقات لم يعد يحترمها احد بمن في ذلك الاميركيون والبريطانيون. فليس ثمة دولة يمكنها ان تستضيفه الا اذا اخذت ضوءاً اخضر اميركيا.

فاللجوء الفلسطيني الى تونس بعد بيروت تم بترتيب اميركي، وكانت فترته ستنتهي دون تجديد، وبدأ عرفات يسمع تلميحات تونسية عن ذلك. وكانت منظمة التحرير في حينه تعاني افلاسا ماليا، ولم تعد قادرة على الصرف على كادرها الوظيفي وقواتها، حيث واجهت اعباء مالية كبيرة دون وجود موارد.

وكان ذلك الوضع هو المحرك الاساس للمفاوضات السرية التي افضت الى اتفاق اوسلو. وحاليا تمر السلطة بالوضع نفسه من حيث الافلاس المادي والاعباء المالية الكبيرة التي تتحملها.

وقد فكر الاسرائيليون في مطلع الانتفاضة في الاجهاز على السلطة الفلسطينية، لكنهم تراجعوا عن الفكرة، لأن ذلك يعني اعادة الشعب الفلسطيني الى وضع شعب تحت الاحتلال ما يلزم اسرائيل بإعادة اقامة ما يسمى بالادارة المدنية لتسيير شؤونه الصحية والتربوية .. الخ.

وقدر الاسرائيليون تكاليف ذلك بحوالي اربعة مليارات دولار، ولهذا تراجعوا عن فكرة تدمير السلطة واكتفوا بتحجيمها لتتولى مسألة تدبير الاموال للصرف في المجالات الصحية والتربوية، وكانت وزارة المالية هي الفاعلة بين الوزارات الفلسطينية فقط.

فالاحتلال نجح في تقليص صلاحيات السلطة الى مجرد ادارة تتولى تسيير الشؤون العامة دون اية مسؤوليات سيادية، وعندما حاول الرئيس ابو مازن اعادة الاعتبار للسلطة وفرض القانون في الشارع كانت قوات الاحتلال تقتحم المدن وتطلب من الشرطة عدم الظهور بأي ملابس رسمية فالاحتلال ظل معنيا بتجريد السلطة من ذراعها التنفيذية .

ورغم ذلك كان الاسرائيليون والاميركيون يطالبون السلطة بمكافحة العمليات ومنفذيها، وكان من عادة وزير الداخلية نصر يوسف ان يقول للمبعوث الامني الاميركي الجنرال وورد ان باستطاعته تفقد رجال الامن ليتأكد ان نصفهم بلا سلاح وان من معه سلاح لا يملك سوى 30 طلقة.

وكانت اجابة الاسرائيليين ان على السلطة مقاتلة الميليشيات المسلحة ونزع سلاحها واستخدامه لتسليح رجال الامن؟ انه منطق غريب لا يمكن فهمه الا من زاوية الابقاء على السلطة ضعيفة بلا حول ولا قوة. الاسرائيليون عمليا ارادوا من وراء عملية اريحا التأكيد للسلطة ان مهمتها فقط ادارة شؤون حياتية دون اية سيادة على الارض والناس.

وانها ايضا ليست جديرة بالتفاوض، لأن اسرائيل سترسم حدودها وتضم ما تريده من ارض وفقا لاحتياجاتها دون الدخول في اية مفاوضات مع الجانب الفلسطيني، فالسلطة عمليا غير قائمة الا لتقديم خدمات بلدية فقط. ولهذا ظهرت بعد عملية اريحا دعوات لحل السلطة والعودة الى اطار منظمة التحرير.

لكن هذا الاطار ايضا لم يعد قائما بالمعنى المادي، لأنه جرى اضعاف منظمة التحرير لصالح السلطة وعندما كان ابو مازن خارج السلطة اي امين سر لمنظمة التحرير كان يكافح لإعادة الاعتبار للمنظمة، ولما صار رئيسا للسلطة فإنه ساهم في اضعاف منظمة التحرير بأن انتزع منها الصلاحيات السياسية الخارجية.

إن حركة حماس لا تعترف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني حتى الآن وعدم الاعتراف هذا جعل كتلة الجبهة الشعبية ترفض الانضمام الى حكومة حماس. ولهذا يبقى احتمال حل السلطة ضعيفا، لأن منظمة التحرير جرى اضعافها لصالح تقوية السلطة، لكن السلطة لم تقو بل ازدادت ضعفا.

وهكذا فإن القضية الفلسطينية باتت مهددة بالذوبان لعدم وجود اطار سياسي قوي تستند اليه. فخيار حل السلطة والهروب الى اطار منظمة التحرير بات امرا مستحيلا، كالمستجير من الرمضاء بالنار.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين

afezbargo@hotmail.com