يمكن أن نطلق عليه «عبدالناصر الروسي» رغم أن المسؤولية الوطنية التاريخية التي اضطلع بها في بناء الوطن كانت أشد جسامة.
في فبراير المنصرم انقضت خمسون عاماً على رحيل الزعيم الروسي جوزيف ستالين. وفي سبتمبر المقبل تحل الذكرى السادسة والثلاثون لرحيل جمال عبدالناصر. ومع ذلك لا يعرف التاريخ الروسي ولا التاريخ العربي المعاصر نظيراً لأي منهما من حيث الشعبية الخالدة على مدى أجيال متعاقبة حتى اليوم.
بكلمة واحدة ستالين هو الذي بنى الاتحاد السوفييتي محققاً خلال ربع قرن فقط طفرة نوعية انتقلت بروسيا من دولة زراعية إقطاعية في أدنى درجات التخلف إلى القوى العظمى الثانية في العالم علماً بأنها كانت القوة العظمى الأولى في مجالات معينة مثل غزو الفضاء الخارجي.
لذا ليس غريبا ان استطلاعات الرأي المتعاقبة التي تجرى حتى اليوم في روسيا تعكس ان غالبية الشعب الروسي تعتبر ستالين أفضل زعيم في تاريخ البلاد منذ عام 1917 ـ العام الذي اندلعت فيه الثورة البلشفية. وما يلفت الانتباه أيضاً أنه منذ رحيله نشر نحو مئتي كتاب وفيلم وثائقي عن منجزاته وسيرة حياته.
وفي مناسبة ذكرى رحيله الشهر الماضي نشرت صحيفة «هيرالد تريبيون» تحقيقاً صحافياً لمراسلها في موسكو نقل فيه عن سيدة روسية قولها إنه على الرغم من أن والدتها سجنت لسبع سنين في عهد ستالين إلا ان هذه السيدة تعتبر الزعيم الراحل «رجلاً عظيماً ذا شخصية عظيمة».
الآن ينتظم فئات المجتمع الروسي تيار قومي عارم كرد فعل على حالة الذل والهوان التي أفرزها انهيار الاتحاد السوفييتي. ويلاحظ المراقبون الغربيون انه كلما تصاعد هذا الشعور القومي كلما ارتفعت شعبية ستالين رغم غيابه.
ألا تنطق هذه الظاهرة كليا أو جزئيا على شعوب الوطن العربي كحالة «نوستاليجية» تستعيد ذكرى جمال عبدالناصر؟
الذين عاصروا عهد عبدالناصر يستذكرون اليوم حالة الاستقرار المعيشي التي كانت تتمتع بها الأسر والأفراد من فئات الطبقة الوسطى وما دونها بسبب حضور الدولة القوي في بنية الاقتصاد الوطني وتوجيهه.
لكن هذا كان الحد الأدنى لمنجزات العهد الناصري. فالانجازات الأعظم كانت تتمثل في فوران الإبداع الأدبي والفني داخليا وفي استقلالية الدولة في الساحة العالمية خارجياً.
على ان الانجاز الناصري الأشد عظمة كان بمستوى الوطن العربي بأسره. فقد اتسع نطاق الإحساس بالكرامة الوطنية ليمتد من مصر إلى شعوب الأمة العربية قاطبة بحيث بات كل مواطن عربي من الخليج إلى المحيط يستشعر شعور فخار بالانتماء إلى أمة العرب.
مع ذلك، ورغم النقلة النوعية في كل من روسيا ومصر يبقى كل من جوزيف ستالين وجمال عبدالناصر دكتاتورا في نظر الخصوم. لكن أليس هذا تبسيطاً مخلا لمعايير التقييم السياسي في مثل هذه الحالة؟
أجل.. لم يأت أي من ستالين وعبدالناصر إلى السلطة عن طريق عملية انتخابية حرة وفي اطار نظام ليبرالي تعددي. لكن كلا منهما كان يتمتع بما يمكن ان يطلق عليه «القبول الشعبي».
لقد كان كل منهما مقبولا لدى الفئات الشعبية بالأمس. ولا يزال كل منهما ذا قبول شعبي عارم حتى يومنا هذا.