لم يستغرب احد حين رأى في كلام الرئيس اللبناني اميل لحود لقناة الجزيرة تردادا لأسقف متعددة من الشروط السورية العالية والتي أوحت بأنها ستكون ثمن خروج لحود من قصر الرئاسة لو جرى تنفيذها وتلبيتها.
وهذه الشروط أصبح معروفا أنها تبيع رأس لحود برفع سيف لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الحريري عن عنق النظام في دمشق.
وهكذا أدخل لحود مصيره في قنوات إقليمية وفي صراعات ممتدة بين سورية والمجتمع الدولي بينما هذا المصير وطني محلي ويمكن التقرير فيه لبنانيا من دون تكبيره وتضخيمه.
لذلك كان لحود غير مدرك لهذه الناحية التي وضعته في مهب ارادات الآخرين ولم يكن مدركا ايضا ان تمترسه خلف الدستور اللبناني لا يحميه كون رغبات الناس ومطالباتهم برحيله اقوى من الدساتير.
لقد وقع لحود في الحساب الخطأ ايضا حين غفل عن حقيقة ان فتح لبنان لاستباحة بلد جار ليس من اعمال الوطنية وتغليب سلطة اجنبية على السلطة اللبنانية ليس من اعمال الوطنية ايضا وليس عملا منصفا حتى لا نقول انه ارتكاب للخيانة العظمى.
كلام لحود امس كان تردادا ببغائيا للخطاب الاعلامي والسياسي السوري ولو تم تفكيك هذا الخطاب لقرأنا فيه رغبة النظام السوري من الاسرة الدولية ان تفكه من لجنة التحقيق الدولية ووقف مسيرتها نحو بلوغ الحقيقة واعلانها وان تنقذه من الاحالة الى المحكمة الدولية.
ولو تم له ذلك فإن سلوكه سيتغير تجاه المجتمع الدولي وسيمتنع عن التدخل في شؤون لبنان وسيعطي الراغبين رأس لحود في الوقت الذي يطلبون.
ولو رجعنا الى حديث لحود بعيدا عن كونه ترديدا للخطاب الاعلامي السوري لوجدنا انه كان محاولة غير ذكية للتهرب من واقع العزلة وكان مجرد دفاع ركيك عن النفس ومحاولات لاستحضار الماضي الى الحاضر واحياء حوادث قديمة عفا عليها الزمن واصبحت في عهدة الاوهام والاساطير.
فاليوم كل شيء اختلف عن الماضي فلبنان تحرر والخريطة السياسية فيه تغيرت وفي الماضي لم تكن المظاهرات تهدر فيه بالمليون شاب وشابة واكثر ولم يكن هناك دم مهدور للحريري كي يوحد البلد ويصهر ابناءه في حزمة وطنية واحدة.
هذه المتغيرات غابت عن ادراك لحود وظل اسير كلام الاسطوانات المشروخة المفتقد للمواكبة الواقعية والغارق في الماضوية المملة.
تبقى الاشارة الى ان ما قاله حول مقتل الحريري وان موت الرجل اتعبه هو كلام صحيح ويبدو انه لم يكن يعرف ان موت الحريري سيتعبه وعدم الادراك هذا هو من الحسابات الخطأ التي فرقت ما بين النظام السوري وأعوانه وبين الشعب اللبناني ونتج عنها سلسلة من الاغتيالات الارهابية ظن مرتكبوها انها ستطوى وستقيد ضد مجهول.
لقد كان حديث لحود اعلانا ماضويا مكررا للخطاب الاعلامي والسياسي للنظام السوري لا يبعث على الدهشة والاستغراب اللهم إلا في جانب واحد منه وهو جانب بقاء لحود وفيا للتعاون مع الستراتيجية السورية علما ان مبررات هذا الوفاء واهية وقديمة وفي غير وقتها.