مع اقتراب الانتخابات التشريعية في إسرائيل والمقررة يوم 28 مارس الجاري، دخلت الأحزاب المتنافسة، الكبيرة كما الصغيرة، سباقا محموما، لإظهار مواقفها الرافضة للتفاوض مع الفلسطينيين حول قضايا الحل النهائي، وفي مقدمتها القدس واللاجئين، والدولة الفلسطينية، ولإعلان أنها ستبقى وفية للمنطلقات الصهيونية القائمة على القتل والتشريد والتوسع.

ورغم أن تلك الأحزاب لم تتورع عن إعلان تأييدها الكامل للسياسات القمعية التي تتبناها الحكومة اليمينية الحالية ضد الفلسطينيين، فإن أحدا من المسؤولين الدوليين، لم يلتفت لذلك، ولم يحاول حتى الإيحاء بأنه يرفض مثل هذه اللغة التي تحمل أدلة قاطعة على أن الطرف الإسرائيلي، وبكل أطيافه السياسية، غير مقتنع لا بإقامة سلام حقيقي مع الفلسطينيين، ولا بالقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة واللجنة الرباعية.

في مقابل ذلك، تتسابق العواصم الغربية، على مطالبة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على تغيير برامجها وأفكارها وشعاراتها، مع الاعتذار عن تاريخها في مقاومة إسرائيل، زاعمة أن فوز الحركة في الانتخابات التشريعية وتشكيلها الحكومة الفلسطينية الجديدة، يمثل عائقا أمام تحرك عجلة عملية التفاوض.

وهو تقريبا نفس ما كانت تقوله تلك العواصم عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، رغم أن هذا الأخير، حاول في حدود المتاح، أن يتواءم مع الضغوط الدولية التي حاصرته، منذ انطلاق عملية التسوية في عام 1993، وحتى وفاته الدرامية في عام 2004.

الأسبوع الماضي مثلا، وقف زعيم تكتل الليكود بنيامين نتنياهو، ليعلن سلسلة من اللاءات المعادية للسلام مع الفلسطينيين، وفي الأسبوع نفسه قامت قوات إسرائيلية بهجوم بربري على سجن أريحا واجتاحت مناطق فلسطينية وقتلت أطفالا أبرياء، لكن وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس لم تر ذلك كله، ودعت خلال زيارتها لإندونيسيا، ثم أستراليا حماس مجددا إلى الاعتراف بدولة إسرائيل لضمان السلام في الشرق الأوسط.

بل إنها زادت على ذلك، وقدمت مبررا للجرائم الإسرائيلية، حيث قالت بالنص إن "غالبية الناس متفقون على أن الطريقة الوحيدة للحكومة الفلسطينية لكي تضمن لشعبها سلاما مستقبليا وبالتالي حياة أفضل هي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود".

إن هذه الازدواجية، تكشف للمتابع مدى خضوع عواصم كبيرة ومؤثرة لرغبة تل أبيب في ترحيل ذنب توقف المفاوضات، وتدهور الأوضاع في المنطقة من على كاهل الفاعل الحقيقي، إلى كاهل الطرف العربي، بغرض الضغط عليه، ودفعه للانشغال بإثبات براءته بدلا من التركيز في جوهر القضية الحقيقي والمتمثل، في البحث عن طرق بديلة لمواجهة الإجرام الإسرائيلي.