قال أحد المسؤولين قبل أيام بأن ظهور جرائم غير عادية هي نتيجة للتطور الهائل الذي تشهده البلاد، وأن الجرائم تعتبر ضريبة للانفتاح وتحول بعض مدننا إلى مدن عالمية، ولا أدري ماذا قال بعد ذلك، لأنني وبصراحة أقولها لكم بالعامية قبل الفصحى اعتبرت «هذا كلام العاجز الذي يبرر ثم يبرر ثم يبرر حتى يصدق نفسه».

يا سادة التطور ليس مرتبطاً بالجريمة، فإن كانت العصابات قد تكونت وتشكلت في الخارج، ثم جاءت إلينا، بناء على قوانين فتح الأبواب والشبابيك و«خرم الإبرة» لينفذ منها كل طالب تأشيرة وكل عاطل عن العمل، وفوقهم كل مطلوب أو مطارد من أجهزة الأمن والسلطات في بلاده، فإن ذلك كله لا يمنعنا من تطوير أساليبنا لمنع وقوع الجريمة، يعني.

وبالعامية أيضاً، كان يجب علينا أن نتطور أمنياً ورقابياً بقدر التطور الذي شهدته المجالات الأخرى، يعني أن نواكب التبدل والتحول الديمغرافي باستخدام طرق مواجهة مختلفة عن السابق.

نحن نتحدث عن شركات الأمن الخاصة، هل نسلحها أم نتركها دون سلاح، وهذا «نقاش سفسطائي»، إنه قفز على الواقع، فنحن إلى الآن لم نعمم بالقانون أجهزة الرقابة الذاتية في المراكز التجارية، ولم نؤمن مداخل ومخارج تلك المراكز بأجهزة الإنذار، ولم نجبر أصحابها الذين أنفقوا مئات الملايين على المباني باستحداث غرف أمنية داخلية ترصد الحركة في تلك الأماكن طوال الـ 24 ساعة.

وهذه أنظمة يمكن أن نطلق عليها اسم أنظمة «التخويف»، فلحظة أن يراها السارق سيعرف أنه مرصود، وهي أيضاً أجهزة «تصعيب» المهام بالنسبة للعصابات أياً كان شكلها، وهذا سيجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تخطو خطوة واحدة نحو المجمعات والمراكز التجارية، بل وحتى المحلات الصغيرة.

هذا ما يجب أن نتداوله ونتدارسه ونناقشه، فالعلم يتقدم بقدر ما نتطور، وهذا ليس اختراعاً، ولكنه بحاجة إلى الفرض والإجبار حماية للمجتمع ومكتسباته، لأننا إن لم نواكب الأحداث سنجد أنفسنا في لحظة من اللحظات.

وقد فقدنا السيطرة على الأوضاع، ودخلنا دائرة السمعة السيئة كما حدث لكثير من المدن العالمية المستقطبة لرجال الأعمال والاستثمارات ورجال العصابات والمافيات، فأولئك لم ينفعهم السلاح، ولم تنفعهم الحجج والمبررات التي تلقي باللوم على التطور الذي تشهده مدنهم.

ولكن مدينة مثل لندن استطاعت بفكر رئيس بلديتها الحالي، وخلال السنوات القليلة الأخيرة، أن تخفض نسب الجريمة والاعتداء على الممتلكات بنشر نظام رقابي يعتبر الأول من نوعه، إلى درجة نشر الكاميرات في الشوارع التي تقع فيها المراكز التجارية والأسواق المكتظة، وكذلك الأماكن سيئة السمعة، فقط قال لهم الرجل «نحن هنا».

myousef_1@yahoo.com