رغم أن الحوار الذي أجري منذ أيام مع الشاعر الكبير ادونيس لم يكن دسماً، ولا بالعمق الذي انتظره كثيرون ومنهم كاتب السطور، لأنه يبدو أن مقدم البرنامج كان منتشياً وفرحاً بضيفه المعتبر على حساب إثارة الإشكاليات العلائقية بين ادونيس والثقافة العربية والإسلامية..

ربما يكون السبب لضيق وقت البرنامج، أو عدم الرغبة في الاشتباك مع الرجل وقضاياه، أقول رغم هذا إلا أن الحوار لم يعدم ومضات بثها شاعرنا الذي هو اقرب إلى الفكر من الشعر كما وصفه المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري.

إحدى هذه الومضات التي وقفت أمامها طويلاً والتي تمثل في حد ذاتها (أم المعوقات) قدام أطروحات توصيف أحوالنا، وذلك حين قال: علينا أن نتوقف عن نقد راهنية أوضاعنا وأن نتجه إلى سبر غور الأسباب التي قادت إلى هذا (الراهن).

والمتابع لمعظم التناولات الكتابية لواقعنا سيجد أنها تتصف بطابع خبري يعتمد على معطيات تتوالد كل يوم بدرجات متشابهة تارة وأخرى متقاطعة، ما يجعلها تشبه قراءة الطقس اليومي، لأنها لا ترتكن على مقولات موغلة في الثبات المفاهيمي.

فلو أخذنا على سبيل المثال نقد السرقة أو الفساد سنجد أن المحصلة النهائية لهذا النقد لا تتجاوز المعنى المعروف للفساد وهو المتعلق بسرقة المال العام أو المواقف الاكروباتية تجاه بعض القضايا الوطنية، في حين أن القصور الفادح ( وهو ما يقصده ادونيس) هو عدم الولوج إلى الأسباب التاريخية والتراكم السلوكي والاعتقادي لتفشي هذه الظاهرة، لأن الهدف الأسمى لهذه الكتابات هو النزعة الفضائحية الوقتية.

قس على ذلك مسألة الحريات التي لا يكلف طالبوها خاطرهم مناقشة سلبية الشعوب، التي طالت، تجاه هذا المطلب، بل وعدم البحث عن مكانة هذه الحريات في أجندة المحكومين قبل الحاكمين.. وهنا نتذكر مقولة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عجبت لأناس مستبدين لا يحكمهم حاكم مستبد، وفي موضع آخر:

عجبت لأناس أحرار يحكمهم حاكم مستبد. العلم العربي لا يخلو من محاولات فكرية رائعة ومدهشة لاكتناه مغاليق بعض أوضاعنا العويصة، منها كتاب الباحث العراقي علي الوردي (الشخصية العراقية) الذي يعتبر إحدى الأطروحات الجادة التي أثارت ضجة كبيرة لمعرفة سبب تلفح هذا البلد برائحة الدم والأوجاع. وكذلك كتابات المفكر الفرنسي الجزائري الأصل محمد أركون، والباحث المتميز الدكتور هشام جعيط، والدكتور برهان غليون، وآخرين.

لذلك فإن ما أراده ادونيس يجب أن يضاف إليه شيء آخر وهو البحث عن حل لفك طلاسم بعض المعالجات الفكرية التي تحتاج نخبويتها إلى جيش من الشارحين، وهذا ما جعل الواقع وحقائقه نهبا للكتابات الهزيلة في متنها والسهلة في أسلوبها.

فإذا كنا ننحاز إلى دعوة ادونيس في ما يصبو إليه إلا أن هذا لا يمنع أن ننحاز إلى الناس الذين أرهقتهم الكتابات العاجية، والذين لن يتوانوا عن رغبتهم في فهم واقعهم إذا أتيح لهم ذلك.

فإذا كان ادونيس يدعو إلى إعمال المعاول لهدم القراءات السطحية لواقعنا، والى التخلص من الفهم الضيق أو (التيك أوي) لمشكلاتنا، فإن اكتمال مصداقية دعوته لن يتم ما لم يقتطع جزءاً من نقده لمثقفينا المخلصين المتورطين في نخبويتهم.

فالمسافة بين الرؤية المتهافتة وجذور مشاكلنا هي نفس المسافة بين هذه الجذور والرؤى المخلصة التي أخفقت دون قصد في إقناع الظامئين بأن ما تقوله.. ماء.