أعلنت حركة «حماس» أمس عن ولادة حكومتها الأولى. والتي جاءت وفق معظم التوقعات، بتركيبة يغلب عليها اللون الواحد. مصادرها أكدت وكررت بأنها سعت جهدها لتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كل الفصائل. قالت انها، لأجل هذا الغرض، استمعت للجميع «وأخذت بقسط وافر من آرائهم وملاحظاتهم».
بل انها أعادت صياغة ورقتها السياسية أكثر من مرة بغية ملاقاة الآخرين في الطريق. وقد فعلت ذلك، كما أوضحت لأنها «تريد صوغ مشروعها من موقع المشاركة وأن تستكمل المشروع الذي بدأه غيرها» من الإخوة الفلسطينيين.
الآخرون الذين استنكفوا واختاروا البقاء خارج الحكومة أخذوا على حماس عدم تزحزحها عن برنامجها، الذي لا يترك فسحة للمشاركة، مع اتهامها بالمناورة وعدم الجدية في السعي إلى تسوية وسط.
طبعاً لكل طرف حساباته وتكتيكاته. لكن بقطع النظر عن صحة هذا الزعم أو ذاك، لابد من القول بأن تأليف حكومة ائتلاف وطني كانت مهمة يفرضها الظرف الراهن، بكل معطياته ومصيريته وتحدياته. كفة هذا الظرف كان ينبغي ان تكون راجحة وبقوة، على كافة الاعتبارات الأخرى.
القاعدة التي كرستها التجربة التاريخية للإنسان تقول بأولوية التحالف الداخلي ـ مهما كانت الفروقات مهمة بين أطراف الداخل ـ المرحلي ووجوب تقديمه على أي اعتبار، عندما يكون الخطر الخارجي محدقاً بالوضع الوطني.
والأمر الأهم في الحالة الفلسطينية، لتقديم شروط التحالف وتوفيرها وترجمتها بحكومة تحالف، هو ان الوضع الفلسطيني ليس له إلا الاستقواء بعوامل قوته الذاتية، في ضوء واقع الحال العربي والتوازنات الدولية المعروفة. ليس هناك من يمكنه الاتكاء عليه إلا الذات. ومن البديهي ان الحالة الموحدة أقوى من تلك التي لا تتحصن بالعمل الجبهوي المتماسك.
لكن ذلك لم يتحقق. الكل كان بإمكانه ـ أو بالأحرى كان مطلوباً منه ـ ان يفعل أكثر. مع ذلك الايجابي الذي لابد من التنويه به هو ان العملية السياسية جرت بصورة حضارية وانضبطت ضمن الأصول وبما أعطى صورة مشرفة عن التجربة الفلسطينية.
الحوار حكم كل مراحل المشاورات، والفريق الموجود في الحكم أعلن ان الباب «مفتوح للمشاركة»، ومتروك كذلك، كما ان الفريق الآخر أعرب عن التزامه بممارسة «معارضة بناءة». وبالتالي فالجميع منضبط ضمن حدود اللعبة الديمقراطية. وفي ذلك ما يطمئن، طالما بقي قيد الممارسة.
أما الآن فقد جاءت لحظة الاختبار لهذا التعايش ولفعاليته. بعد أسبوع تكون إسرائيل مع موعد استحقاقها الانتخابي، وبعده بفترة قصيرة تتم ولادة الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وتعرف كل القوى الفلسطينية ماذا في الجعبة الإسرائيلية. وحكومة أولمرت قدمت جرعة منه قبل أيام عند اقتحامها الغادر والعدواني لسجن أريحا.
وكانت الرسالة واضحة وبرسم كافة الأطراف الفلسطينية، وليس فقط حماس أو غيرها: الجميع مستهدف، وكلا الفريقين، المتوقع فوز احدهما، ليس في مشروعه غير المواجهة والتصفية الأحادية، على جثة عملية السلام.
والعالم الذي اكتفى بالتفرج على فضيحة أريحا وما رافقها من تواطؤ معروف، ليس على ما يبدو في وارد القيام بأكثر من ذلك، بالرغم من تعاطفه مع القضية الفلسطينية، فبالنهاية الصمود ـ على الأقل ـ يكون بضاعة فلسطينية أو لا يكون. هذا هو التحدي في اللحظة الراهنة. فهل تنتصر مستلزماته على الحسابات الضيقة؟