قرأنا أمس أن ديوان المحاسبة كشف عن مخالفة قانونية عمرها ثمانية وعشرون عاماً. تتمثل هذه المخالفة في قيام أحد موظفي وزارة التربية والتعليم بالجمع بين وظيفتين إحداهما في وزارة التربية والأخرى في دائرة محلية لم تذكر.

ولم يلتفت إلى هذه المخالفة القانونية أي من مسؤولي الجهتين الحكوميتين حتى كشف عنها ديوان المحاسبة. والأكثر من ذلك أن الجهة الحكومية الأخرى بعد أن أطلعها ديوان المحاسبة على المخالفة أكدت أنها ستستعيد الأموال التي صرفها الموظف منذ عام 1978 بعد أن ادعى عدم إدراكه بأن ما أقدم عليه مخالف للقانون وأنظمة العمل في الدولة!

استوقفنا الخبر وأثار تساؤلات عديدة. إذا سلمنا بأن هذا الموظف، صاحب الوظيفتين لا يعلم فعلاً أنه قام بمخالفة قانونية طوال ثمانية وعشرين عاماً، فكيف استطاع أن يداوم ويؤدي واجباته الوظيفية في جهتين حكوميتين يفترض أن كل واحدة منهما تتابع حضوره وانصرافه.

ويفترض أن كلاً منهما تتابع عمل موظفيها وتقيس إنتاجيتهم في العمل؟ لماذا ذكر اسم وزارة التربية والتعليم كجهة واحدة يعمل فيها الموظف في حين لم يذكر اسم الدائرة الحكومية الأخرى؟

لماذا يتحمل هذا الموظف المخالفة وحده دون أن يشاركه في المسؤولية موظفو الدائرتين الحكوميتين؟ لماذا لم يكشف ديوان المحاسبة عن هذه المخالفة إلا بعد مرور ثمانية وعشرين عاماً؟ هل العلاج ينحصر فقط في استرداد ما صرف على الموظف طوال السنوات الماضية أم أن القضية تتطلب إجراءات تتجاوز هذا الإجراء المادي؟

ديوان المحاسبة يقول إن ما حدث يؤكد ملاحظاته في تقارير سابقة حول ضعف الرقابة الداخلية بالنسبة للأمور المالية والإدارية، مما سبب مخالفات ما زال الكثير منها قائماً.

ونحن نقول: من المسؤول عن تراكم هذه المخالفات ومتابعتها؟ ومن المسؤول عن ضعف الرقابة الداخلية التي تتسبب في مثل هذه المخالفات التي تصرف فيها أموال على أشخاص لا يستحقونها، وفي الوقت نفسه تحرم عاطلين من فرص عمل ملائمة بسبب ازدواجية الوظيفة لدى بعض الموظفين؟

الجميع يتحدث عن الحكومة الإلكترونية والربط الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية. والجميع يؤكد على ضرورة التنمية والتطوير في المؤسسات الحكومية والحاجة إلى التوطين ومحاربة الفساد بكل صوره.

والجميع يطالب في الوقت نفسه بتشديد الرقابة المالية والإدارية والإخلاص في العمل ومعالجة المشكلات وهي صغيرة قبل أن تكبر وتستفحل، ومع كل ذلك يفاجأ الجميع بأخطاء لا يكشف عنها إلا بعد مرور سنوات طويلة.

إن ما كشف عنه ديوان المحاسبة من ضعف الرقابة المالية والإدارية لا بد وأن يؤخذ بعين الاعتبار ليتحمل المسؤولون في كل المؤسسات الحكومية مسؤولياتهم في هذا الشأن.

فالقضية أكبر من ادعاء موظف عدم إدراكه مخالفته للقانون، وأكبر من مطالبة باسترداد ما صرف له من رواتب في السنوات الماضية، القضية تمس مصلحة وطنية. نأمل أن يكون الخبر الذي قرأناه غير صحيح لأنه لو كان صحيحاً فما خفي قد يكون أعظم.

maysaghodeer@yahoo.com