الإرهاب الذي شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم السبت الماضي على سجن أريحا، حمل في طياته رسائل كثيرة، ينبغي التوقف أمامها جيدا واخذ العبر منها حتى نستطيع التعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلا وألا نفاجأ بها كما حدث، ولم نستطع فعل شيء غير مشاهدة «الفيلم» على الفضائيات منذ بدايته صباحا وحتى نهايته مساء.

أول رسالة حملها هجوم أريحا الذي انتهى باعتقال زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات وعدد من رفاقه، هي أن الإهانة والذل والإحباط لم تكن فقط موجهة للشعب الفلسطيني أو للمعتقلين الذين تم خطفهم بأسلوب إرهابي إجرامي همجي ..

فهم وان كانوا الطرف المباشر في الحدث، إلا أنهم يبقوا جزءاً صغيرا من المشهد العام الذي أريد له أن يخرج بهذه الحبكة الدرامية المتبعة في أفلام الإثارة والعنف.

حتى تنتقل كافة صوره وتفاصيله الصغيرة إلى مخيلة العرب، ليعرفوا أن إسرائيل لديها اذرع ومخالب عسكرية قوية تستطيع أن تصل لمن تشاء وقتما تشاء سواء بالاغتيال أو بالاعتقال، وبالتالي لا جدوى من المواجهة العسكرية والمقاومة، لان النتيجة ستكون عصابة بيضاء فوق الأعين ويدين مكبلتين من خلاف.

هذه الرسالة تتضمن أيضا، أن قوانين حل الصراع والوصول إلى تسوية، لم تعد تستند إلى قرارات الشرعية الدولية التي مزقتها الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية التي هجمت على أريحا، رغم أن هناك اتفاقا دوليا كان ينظم مساءلة اعتقال سعدات ورفاقه.

وإنما القوانين الآن أصبحت خاضعة للرؤية والمصالح الإسرائيلية، سواء كان ذلك متفقا مع الشرعية الدولية أم لا، لكن المهم أن تكون متلائمة مع المطامع الإسرائيلية في السيطرة على الأرض العربية.

كذلك اظهر الهجوم مسألة غاية في الأهمية، حاولنا نحن العرب أن نخدع أنفسنا ونصدق عكسها طويلا، وهي أن العلاقة بين إسرائيل والقوي الدولية الكبري، وأهمها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، اقوى بكثير من العلاقة مع الدول العربية.

بدليل هذا التواطؤ الذي تم بانسحاب المراقبين الأميركيين والبريطانيين في سجن أريحا قبل بدء الهجوم بدقائق قليلة، ما سمح للجريمة أن تتم ومن دون فرصة لمنع حدوثها، رغم أن رحيل المراقبين كان يجب أن يتم باتفاق بين كافة الأطراف المشتركة فيه، وليس برغبة طرف واحد.

هذا الكلام بعبارة أخرى، يعني انه لا قيمة لأي اتفاق تكون إسرائيل مشتركة فيه وترعاه أميركا وبريطانيا اللتان لم تستطيعا مقاومة انحيازهما إلى الدولة العبرية، حتى لو كان ذلك على حساب صورتهما في العالم العربي، .

والتي أصابها التشوه الكبير جراء مثل هذه السياسات التي تخلق أعداء غير معروفين كل يوم وفي كل ساعة، نظرا إلى الإحساس بالغدر والإحباط من مواقفهما مع القضايا العربية، وفى ملف الصراع العربي الإسرائيلي على وجه الخصوص.

وهذا الأمر ليس غريبا على أميركا وبريطانيا، اللتين حددتا منذ زمن بعيد الوظيفة العضوية لإسرائيل كدولة في هذه المنطقة، وهي أنها قاعدة عسكرية أو حاملة طائرات غربية متقدمة في الشرق الأوسط، يمكن استخدامها في الوقت المناسب كأداة في السيطرة والتهديد وتحديد قواعد اللعبة في هذه المنطقة من العالم.

وبالتالي من لم يسلم بهذا الأمر ويخضع له فإن إسرائيل ستتكفل بإتمامه كما حدث مرات عديدة مضت، أبرزها ضرب المفاعل النووي العراقي في ثمانينات القرن الماضي.

الرسالة الأخرى التي حملها الهجوم على أريحا، هي أن العرب دائما ما يتخذون القرارات متأخرة، وعندما يكون «سبق السيف العذل»، ذلك انه منذ بدأ يتردد أن السلطة الوطنية الفلسطينية، تعتزم إطلاق سعدات ورفاقه بعدما أمرت بذلك محكمة فلسطينية.

فإن أحدا لم يلتفت إلى تهديد إسرائيل باغتياله أو باعتقاله، وإنما أخذنا وقتا طويلا في التفكير في مصير سعدات، ما سمح لإسرائيل بأن تقتنص الوقت لتنفذ مهمتها القذرة في ظل نوم وسبات عميق من جانب السلطة الفلسطينية.

إننا هنا إذاً أمام عبر ودروس كثيرة، أتاحها لنا هذا الاستعراض الإرهابي الإسرائيلي، والأمل كله في أن نستفيد من هذه التجربة الأليمة على قلب كل فلسطيني وعربي، وألا نأخذ منها جانب الإهانة والإذلال فقط.

بل نبني منها خبرات في التعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلا، لاسيما مسألة السرعة في اتخاذ القرار وعدم إضاعة الوقت في مناقشات عقيمة تؤدي بنا في النهاية إلى خسائر لا نتحملها، أو مواقف لا نعرف التصرف حيالها، حيث تكون كل الخيوط في يد الطرف الآخر الذي بلا شك لن يسمح أبدا بأن يتنازل عنها في أي وقت.