منذ أن تفجرت مشكلة الجنوب في أغسطس من عام 1955م، أي قبيل الاستقلال، لم يكن الدين عاملاً مؤثراً في تلك المشكلة، بل غلبت عليها العوامل التاريخية التي بذرها المستعمر بما فيها التراث التبشيري المعادي للمسلمين في الشمال، بالإضافة إلى العوامل السياسية والاقتصادية والجغرافية.

ظهر العامل الديني لأول مرة بصورة مخففة تمثلت في قرارات الرئيس إبراهيم عبود عام 1962 حين أبعد القساوسة الأجانب بعد أن اتضح له دعمهم لحركة أنيانيا المتمردة وحاول نشر اللغة العربية والدين الإسلامي في المدارس الحكومية التي كانت في الماضي تابعة للمؤسسات الكنسية.

وأطل العامل الديني بصورة أكبر في عام 1983 حين أعلن الرئيس نميري في سبتمبر من ذلك العام قوانين الشريعة الإسلامية عقب تمرد الحركة الشعبية الذي بدأ في مايو من نفس السنة.

لم يستثن النميري الجنوب من تلك القوانين لكنها من الناحية العملية لم تطبق هناك ولكن عانى من عقوباتها كثير من الجنوبيين الذين يسكنون في الشمال.

كما أن الزخم الإعلامي الذي صاحب تطبيق تلك القوانين والتشدد الذي جنح إليه بعض قضاة «محاكم العدالة الناجزة» الذين تم اختيارهم من خارج السلك القضائي أثار حفيظة القيادات السياسية الجنوبية فكتب بعضهم (على رأسهم ابيل الير وجوزيف لاقو) يحتجون على إعلان القوانين الإسلامية وتطبيقها على غير المسلمين.

وكان النميري في ذلك الوقت يدشن نفسه «أميراً للمؤمنين» فما كان له أن يتراجع عما أعلنه من قوانين إسلامية لم يستشر فيها حتى حلفاءه من قادة جبهة الميثاق الإسلامي (حسن الترابي وياسين عمر وأحمد عبدالرحمن وعلي عثمان)!

وظهر العامل الديني في مشكلة الجنوب بصورة قوية عندما تكشفت الهوية الإسلامية لانقلاب يونيو 1989م وأعلن مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني القانون الجنائي الإسلامي في فبراير 1991م.

وبالرغم من أن القانون استثنى الولايات الجنوبية من تطبيق الحدود الشرعية وخفت حدة الترويج الإعلامي لإسلامية القوانين واستمر التطبيق في يد المحاكم الطبيعية، إلا أن القوى السياسية أدركت مبكراً بأن السلطة في السودان انتقلت إلى أكثر الجماعات مطالبة بأسلمة الدولة والمجتمع.

وذلك من خلال المرجعية الفكرية والسياسات والقوانين والشخصيات المتنفذة في الحكم، ولم تكن الحركة الشعبية التي حملت السلاح ضد السلطة المركزية (العسكرية منها والديمقراطية) بعيدة عن ذلك الإدراك الذي خشيت منه على هوية الجنوب المتميزة عن الشمال.

واستغل الطرفان المتحاربان عامل الدين في الصراع بينهما، استغلته الحكومة في تعبئة الشباب المتدينين ليشاركوا في «الجهاد» ضد أعداء الدين والوطن، ولتحريض عامة المواطنين ضد حركة التمرد ومن يتحالف معها من القوى الشمالية «المارقة».

واستغلته الحركة الشعبية التي بدأت مشوارها في التمرد بماركسية ثورية لاستقطاب الدعم المادي والسياسي من المؤسسات الكنسية في الغرب. وأصبح الدين فيما بعد قضية حساسة في مفاوضات نيفاشا التي أخذت وقتا طويلا قبل أن تصل إلى معادلة رحبة وهشة تحدد وضع الدين في الدولة والمجتمع.

أدى تطور العامل الديني في مشكلة الجنوب إلى أن يحاول مجلس الصداقة الشعبية العالمية تخفيف ذلك الاحتقان بعدة وسائل منها عقد عدد من مؤتمرات الحوار الديني وإنشاء جمعية لحوار الأديان وأخيراً إنشاء مجلس للتعايش الديني.

كان القصد من مؤتمرات الحوار هو تحسين وجه الحكومة أمام العالم الخارجي ومن جمعية الحوار إشراك الطوائف الدينية في منبر واحد، إلا أن الكنائس رفضت المشاركة بحجة أن الجمعية تابعة لمجلس الصداقة الشعبية .

وهو أحد أذرع الحكومة، واحتاج الأمر إلى وساطة خارجية لينعقد التعاون بين مجلس الصداقة الشعبية ومجلس الكنائس السوداني في إنشاء مجلس التعايش الديني مناصفة بين المسلمين والمسيحيين في كل أجهزته.

والفضل في ذلك يرجع إلى كل من أحمد عبدالرحمن أمين عام مجلس الصداقة الشعبية والقس المهندس اينوك تومبي سكرتير مجلس الكنائس السوداني، فقد قبل الأول أن يطيح بجمعية حوار الأديان التي نشأت في حضن مجلس الصداقة وقبل الثاني أن يتجاوز اعتراض الكنيسة الكاثوليكية على المشاركة لأنها كانت تشعر بالغبن إزاء مصادرة ناديها المقابل لمطار الخرطوم.

والذي أصبح داراً للمؤتمر الوطني، وظنت أن المجلس الجديد هو لعبة أخرى من ألاعيب الحكومة لخدمة علاقاتها العامة، ويحمد لها أن تراجعت عن هذا الموقف بعد أن تبين لها جدية المجلس وفائدته، وانتدبت بعد سنة من قيامه من يشارك في عضوية جهازه التنفيذي.

يهدف مجلس التعايش إلى ترسيخ قيم التسامح والتعايش والتعاون بين أتباع الديانات المختلفة، وإلى حماية الحرية الدينية، ومعالجة المشكلات العملية التي تطرأ بين الطوائف وإلى الحفاظ على السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية. استطاع المجلس الذي بدأ نشاطه في منتصف عام 2003 أن يعالج عددا من القضايا منها:

تعويض الكنيسة الكاثوليكية عن النادي الذي أخذ منها، وتعويض الكنيسة الأسقفية في الرنك عن المدرسة التي هدمت بسبب وقوعها في طريق السلام من كوستي إلى ملكال، ومنع بناء دكاكين في سور مقابر المسيحيين في الصحافة.

وفك الحظر عن نشاط الكنيسة الأرمنية في الخرطوم الذي دام عشرة أشهر، ومنح ثلاث قطع أراض لبناء كنائس في ولاية الخرطوم عوضا عن كنائس عشوائية كانت تعمل منذ منتصف الثمانينات ويحدث هذا لأول مرة منذ 1975م.

كما نظم المجلس عددا من الورش حول فض النزاعات وحماية الحريات الدينية ودور القيادات الدينية في بناء السلام وشرح المواد المتعلقة بالدين في اتفاقية السلام وبعض ملتقيات الحوار الديني.

ولعل أهم انجازات المجلس هي تأسيس منظمة طوعية أهلية تجمع بين القيادات الدينية المسلمة والمسيحية تتبادل الرأي في حرية وندية حول القضايا التي تهمهم جميعا. تلك هي مقتضيات التسامح والتعايش والتعاون بين أبناء الوطن الواحد من مختلف الطوائف الدينية.

أدت التجربة إلى أن يقتنع المكتب التنفيذي لمجلس التعايش بضرورة بناء دار خاصة به تجمع مع المكاتب الإدارية ميادين للرياضة وساحة للفنون والمعارض والمسرحيات وقاعات للمحاضرات والندوات ومكتبة للاطلاع وفصولاً للتدريب حتى يتنزل نشاط المجلس إلى القواعد الشعبية المشتركة من شباب ونساء وطلاب ورياضيين وفنانين وأدباء.

واشترى المجلس لهذا الغرض من حر ماله قطعة أرض بلغت مساحتها ألفي متر مربع تقع غرب الحديقة الدولية والتي أبدعت شركة سبدو الهندسية في وضع تصميم لها من أربعة طوابق استجاب لكل المتطلبات المذكورة سابقا.

إن المسيحيين يشكلون حوالي 40% من سكان الجنوب (بعض الناس مازال يستشهد بالنسب القديمة التي وردت في إحصاء عام 1954م والتي تعطي المسيحيين نسبة 15% فقط من أهل الجنوب وتعطي المسلمين نسبة 17%. لقد مرت مياه غزيرة منذ ذلك التاريخ تحت الجسور وزاد عدد المسيحيين كثيرا خاصة بعد قيام حكومة الإنقاذ. كل فعل له رد فعل معاكس قد يفوقه في القوة!).

أحسب أن المؤسسات المسيحية ستكون حريصة على وحدة السودان بعد انقضاء فترة الانتقال لأن لها وجودا مقدرا في الشمال لا تريد أن تفقده، يتمثل في شكل أتباع يعدون بمئات الآلاف وكنائس فخمة تفوق تلك التي في الجنوب ومؤسسات تعليمية راقية مثل كمبوني والاتحاد والراهبات وسانت فرانسس ومراكز صحية وأوقاف تدر عليهم عائدا ماليا.

فإن شعرت تلك المؤسسات المسيحية بأن حقوقها محفوظة وحرياتها مصانة ووجدت المعاملة الكريمة المتساوية من قبل الدولة فإنها ستميل دون شك إلى إبقاء وحدة السودان.

فهي بطبيعة تكوينها هيئات شعبية عالمية ترتبط بعلاقات دينية ومؤسسية قوية خارج الوطن فلا يجوز لها أن تحصر نفسها في إقليم قبلي محدود الرقعة والسكان إلا إذا اضطرت لذلك!

كوّن المجلس لجنة قومية لتشييد مبنى مجلس التعايش الديني ترأسها الدكتور عبدالحليم المتعافي والي الخرطوم الذي وجه الدعوة إلى مؤسسات وهيئات ورجال أعمال لحضور حفل عشاء يقيمه من أجل التبرعات لبناء المجلس، وابتدر الوالي حملة التبرعات بمئة ألف دولار.

ولكن للأسف كانت استجابة رجال الأعمال ضعيفة جدا لحفل العشاء، فلم يلب الدعوة سوى ثلاث شخصيات من رجال الأعمال هم: علي حامد رئيس اتحاد أصحاب العمل بولاية الخرطوم وشارلس كافوري الذي حبسه الكبر والضعف ولكنه أرسل من ينوب عنه وهاشم هجو وساهم ثلاثتهم بالتبرع.

ويلاحظ المرء أن رجال الأعمال السودانيين متخلفين في دعم منظمات المجتمع المدني ولذلك فإن تلك المنظمات تعتمد أساسا في تسيير نشاطها إما على دعم حكومي أو على تمويل أجنبي، وكلا المانحين لا يستلطف أحدهما الآخر!

وذلك قصور شنيع لا يليق بمجتمع متطور ينشد التحول الديمقراطي والتنمية الاجتماعية، ولن تقوم قائمة لمنظمات المجتمع المدني سياسية كانت أم خيرية أم ثقافية دون سند أهلي قاعدي، وينبغي على الحكومة أن تشجع ذلك السند بإعفاء ضريبي مقدر كما هو الحال في كثير من الدول المتقدمة.

وبالنسبة للشخصيات الحكومية فإن مجلس التعايش الديني يحفظ لكل من: علي عثمان محمد طه والزبير أحمد حسن وأحمد عبدالرحمن وعبدالحليم المتعافي .

ومصطفى عثمان مساهمتهم المقدرة في دعم أنشطة المجلس رغم شكواهم التي لا يفصح عنها صراحة من كتابات أمين عام المجلس الناقدة لكثير من سياسات الحكومة، فجزاهم الله عنا خيرا وألزمهم الصبر والسلوان!

ولا يخلو هذا المقال من هدف إلى استنهاض أهل البصائر النيرة أن يدعموا السلام والوحدة في السودان بوسائل أهلية مبتكرة يفوت تقدير قيمتها على الكثيرين من الساسة وأصحاب المال!

كاتب سوداني