صوتت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة على تشكيل مجلس حقوق الإنسان بأغلبية مئة وسبعين صوتاً، ومعارضة الولايات المتحدة، بعد مناقشة طويلة ومرهقة استمرت أكثر من سنة للاتفاق على صلاحيات المجلس الذي سيكون بديلاً عن لجنة حقوق الإنسان المنبثقة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والتي كان يتم انتخابها بأغلبية بسيطة من أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي وفق ترشيحات تأتي من المجموعات الجغرافية.
وكانت اللجنة غير عادية في تشكيلها وفي مداولاتها وفي صراعاتها، كانت تضم ليبيا والسودان وكوبا وإيران وسوريا، والعراق وبلغاريا ورومانيا أيام الحرب الباردة، وكانت اللجنة حلبة ملاكمة بين الائتلاف الأميركي ـ الأوروبي، وبين عالم الاستبداد والإبادة.
شاهدت شخصياً الكثير من حلقات الملاكمة وكلها تسير وفق أجندة سياسية لكسب النقاط، ومهما كان هزال المنظر، فإن رؤية دولة مثل كوبا في لجنة حقوق الإنسان أو عراق صدام حسين، فيه الكثير من مبالغة الهزال والكوميديا.
ولم تكن اجتماعات اللجنة تثير أحد سوى الذين يشاركون للدفاع عن تصرفاتهم، وانتهت اللجنة بعد ان تلاشت جديتها. يرتفع شأن حقوق الإنسان الآن لأسباب كثيرة منها العولمة.
ومنها تداخل المصالح، ومنها الدور الأميركي ـ الأوروبي في الشأن العالمي، ومنها التركيز على التنمية، وأهم من ذلك ارتفاع دور المؤسسات الدولية في الشأن الإنساني.
سيكون المجلس العين الساهرة التي تتابع من خلال الجمعية العامة، التي تنتخب المرشحين مع دراسة سلوك حكوماتهم، وأشعر شخصياً بالارتياح الى الدور القادم لمجلس حقوق الإنسان، وأعتقد ان الدول التي لا تستطيع مسايرة التحولات العالمية ستضطر الى الدخول في مساءلات محرجة أمام كاميرات العالم، مع أصابع اتهام مؤثرة تهز من مصداقيتها.
ولعل العالم العربي يتفهم أكثر مغزى القرار الجديد، ويسعى الى التعامل بإيجابية مع هذا النهج الجديد في الملف العالمي لحقوق الإنسان.
كيف يعالج العربي الوضع المزري لحقوق الإنسان؟
هناك في الأفق شيء إيجابي نتابع تطوراته، ولنأخذ ما يدور في أربع دول عربية من حوارات واتصالات ومداخلات للخروج من الوضع البليد فيها:
أولاً: نتابع الحوار الوطني في لبنان الذي توصل الى تفاهم حول السلاح الفلسطيني ومزارع شبعا ووجود حزب الله وأزمة الحكم، وجوهر هذا الحوار هو البحث عن حقوق الإنسان والمساواة في حقوق المواطنة، والبحث عن ترسيخ للسيادة اللبنانية والسعي لبناء الدولة اللبنانية الوطنية المستقلة القائمة على المساواة دون طائفية، والانتماء للأرض والوطن بدلاً من الطائفة.
وربما يدخل لبنان للمرة الأولى في تاريخه في البحث عن حل مؤثر يجده في المفاهيم العالمية لمعنى الدولة. مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة خطوة مهمة للمواطن اللبناني الذي يريد وطناً عصرياً دون أعباء الطائفية والكنتونات المدعومة بمسلحين من الطائفة، وصراع لبنان هو رفض للأيادي الغريبة والأجنبية، وتمرد على الطبقية، ومعارضة للشريك الأجنبي في الشأن اللبناني.
ثانياً: ما يدور في العراق هو أيضاً حالة من البحث عن الدولة الوطنية القوية التي يتساوى فيها الجميع، والتي تقوم على التراضي والتوافق، دون احتكار لطائفة أو مجموعة أو حزب.
كان تاريخ العراق متسامحاً في بدايته وانتهى باحتكار قمعي لفئة لا تحترم حقوق الإنسان ولا تؤمن بحقوق المواطنة ولا المساواة فيها، وتلتزم هذه الفئة بمواصفات بدائية في الولاء والطاعة، والعقاب الشديد لمن يبحث عن القيم الإنسانية المرتفعة.
والواقع الحالي في العراق هو استمرار البحث عن الصيغة التي يوافق عليها الجميع دون خوف من تكرار احتكار السلطة وتأمين البقاء بالعنف والإرهاب، ومن حق السنة المطالبة بتأمين المساواة عبر إنشاء مجلس للأمن القومي يتيح للسنة الوقوف على طبيعة القرارات التي تتخذها الحكومة.
ومن حق الشيعة الاصرار على نظام غير مركزي لا يستبد بمصير الرقاب دون رقيب، ومن حق الأكراد الإصرار على الفيدرالية التي توفر لهم الأمان بعد حروب وتنكيل ونزاع واغتيالات.
جوهر الوضع في العراق هو البحث عن الدولة القوية العصرية التي يتعايش فيها الجميع عبر المساواة في الواجبات وفي الحقوق، والبحث عن تكريس لمفاهيم حقوق الإنسان.
ثالثاً: يدخل السودان في فصل جديد في حياته بعد الاتفاق مع الحركة الشعبية للجنوب على اتفاق سلام، ويسعى الآن الى البحث عن حل لمشكلة دارفور المهددة للأمن والسلام في قارة إفريقيا .
وبما يتجاوز قدرة حكومة السودان على التعامل معها، مشكلة دارفور مثل مشكلة الجنوب هي إفراز لعجز النظام السوداني منذ الاستقلال على التعامل مع الموزاييك البشري والعقائدي والعرقي فيه، وإهمال حقوق أهل الجنوب وأهل الغرب، ومصادرة هذه الحقوق بيد جماعة الشمال المحتكرة للسلطة.
ولايمكن ان تتنصل حكومة السودان من المسؤولية تجاه ما يدور في دارفور بما فيها المساءلة العالمية التي تتمثل في البحث عن وجود لقوات دولية تحافظ على الأمن والاستقرار بدلاً من الوضع الحالي الذي لم يوفر الطمأنينة حتى مع وجود القوات الإفريقية.
ليس في صالح السودان الاستمرار في إثارة الشارع الشمالي ضد الأمم المتحدة وليس في صالحه التحريض المتمثل في استعراض القوى الشعبية المسلحة مع خطب رنانة بينما الوطن يتألم، علاج السودان في نظام فيدرالي ووفق دستور عملي.
ومرن يبحث عنه شعب السودان من أجل تحقيق التوافق الشعبي الدستوري، دون ذلك سيظل السودان مهدداً بالإنفصال غرباً وجنوباً، وجوهر الوضع فيه هو مثال حال العراق ومثل حال لبنان، البحث عن الصيغة العصرية للدولة القومية التي تنال ثقة الجميع وتريح الجميع ويرتاح لها الجميع، منسجمة مع التحولات العالمية وديمقراطية تمارس عملها بشفافية وبثقة.
رابعاً: نتابع الوضع في سوريا التي تعاني من أزمة لابد من معالجتها بالانفتاح الشعبي الواسع وبحوار جامع تشارك فيه كل الأطياف وكل الجماعات لوضع دستور حديث، يقوم على تداول السلطة والمساواة في المواطنة دون اعتبارات للأيدولوجيا وللطائفة وللعقيدة، من أجل تكريس الدولة السورية القومية العصرية كما نراها في دول أوروبا وفي دول آسيا، وكما نراها في محاولات بعض الدول العربية.
لا أتصور أن سوريا قادرة في ظروفها الحالية التعاطي مع التحولات العالمية التي تنشد الشفافية، ولعل أبلغ دليل على هذا هو العلاقات المتوترة مع بعض المؤسسات الدولية ومع دول الجوار في العراق والأردن وتركيا. وتخرج من سوريا الآن أصوات واعية للمرحلة الحالية تطالب بالكياسة والواقعية والمعالجة الجدية للنظام السياسي السوري.
عندما يلتقي الزعماء العرب في الخرطوم الأسبوع المقبل ليس المطلوب ـ في اعتقادي ـ تأييد سوريا في مقاومة العزلة، وليس دعم لبنان في لبنانية شبعا، ولا تأييد السودان في دارفور، وانما متابعة التطورات الاقليمية التي فرضتها الظروف الدولية .
وترابطها مع الوضع الإقليمي العربي، لابد ان يخرج الزعماء من الخرطوم بدعم للجهود التي تبذل لبناء أنظمة عربية حديثة منفتحة في حقوق المواطنة، ومسايرة للتطور العالمي، ومتناغمة مع حقوق الإنسان وممارسة للديمقراطية والشفافية، لا مكان لنظام يذهب للقمة باحثاً عن دعم لمشكلات خلفها لنفسه بسبب عجزه عن التطور ورفضه للانفتاح وخوفه من حقوق الإنسان.
كاتب كويتي