عندما قرر التحالف الأميركي ـ البريطاني غزو العراق للإطاحة بالنظام البعثي واحتلال الأرض عسكرياً فإنه كان يراهن على استقطاب تأييد التنظيمات الشيعية التي رأت في الغزو والاحتلال فرصة نادرة لتصفية حساباتها مع البعثيين.

الآن تكتشف الولايات المتحدة وبريطانيا أن الاعتماد على الدعم الشيعي له ثمن سياسي باهظ. فالنفوذ السياسي الشيعي في العراق فتح الباب منذ الوهلة الأولى للغزو لتدخل إيراني متعاظم ومتعدد الجوانب.

لمدى أكثر من ثلاث سنوات منذ وطأت القوات الأميركية ـ البريطانية (ومعها قوات أخرى متحالفة) الأراضي العراقية ظلت إيران تبني لنفسها بمساعدة التنظيمات الشيعية العراقية وجوداً عسكرياً واستخباراتياً وسياسياً بموافقة ضمنية من إدارة بوش وحكومة بلير.

فبينما اندلعت المقاومة العراقية المسلحة ضد الاحتلال فور دخول القوات الأجنبية اكتشفت الولايات المتحدة وبريطانيا أن الميليشيا الشيعية التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أقوى ترياق محلي ضد المقاومة.

ولم تر القوة الأجنبية الغازية بأساً فيما يبدو أن هذا التنظيم والميليشيا التابعة له «لواء بدر» قدِم عبر الحدود من إيران، حيث كانت الميليشيا تتلقى تدريبها على أيدي «الحرس الثوري» الإيراني.

لقد كانت إدارة بوش وحكومة بلير سعيدتين بأن المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني أمر قوات الميليشيات الشيعية بعدم التعرض لقوات الغزو والاحتلال قبل أن يصدر فتوى بتحريم المقاومة ضد المحتلين.

كان هذا قصر نظر.

بينما كانت رؤية طهران تتطابق مع الهدف الأميركي البريطاني التكتيكي في الإطاحة بالنظام البعثي ذي التوجه العروبي فإن الهدف الاستراتيجي النهائي لكل من الطرفين يتناقض مع هدف الطرف الآخر، فالتحالف الأميركي البريطاني يسعى لإقامة نظام حكم علماني موالٍ للغرب في بغداد بينما تسعى طهران إلى إقامة نظام إسلامي شيعي يقتبس النظام الإيراني ويقيم تحالفاً معه.

ما يقلق كلا من واشنطن ولندن الآن أنهما تكتشفان ـ ربما بعد فوات الأوان ـ ان ائتلاف التنظيمات الشيعية أصبح القوة الأعظم المتحكمة سياسياً في العراق، وبالتالي أصبحت إيران القوة الإقليمية المهيمنة على المصير السياسي للعراق.

إزاء هذا المأزق أصبح بوش وبلير بلا خيارات، فالقوات الاحتلالية لا تستطيع ان تغادر العراق لتتركه رهن الإرادة الإيرانية، ولا تستطيع ان تبقى طويلاً قبل ان تجد نفسها تواجه صداماً حتمياً مع ائتلاف الشيعة العراقي مما يشكل جبهة جديدة للمقاومة المسلحة.

ويدرك بوش وبلير ان ابتداع «دور عربي» في العراق فكرة سخيفة ويائسة.. فليس لدى العرب استعداد أو إرادة للدخول في مواجهة مسلحة مع إيران.

عند إقرار خطة الغزو نهائياً في أوائل عام 2003 كانت واشنطن ولندن تعلمان ان إيران توافق ضمنياً على ضرب العراق، وإزالة نظام صدام حسين. ولكن بينما كانت الخطة متقنة من حيث الحسابات العسكرية فإنها منذ الوهلة الأولى لم تكن كذلك من حيث الحسابات السياسية بعيدة المدى.