مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 28 مارس المقبل، ورغم النتيجة شبه المؤكدة، كما تدل الاستطلاعات كافة، لاحتلال حزب كاديما المركز الأول في الانتخابات، وبالتالي تكليف «وريث» أرييل شارون، إيهود أولمرت تشكيل الحكومة الجديدة التي ستكون حكومة ائتلافية مع الشريك الصغير حزب العمل.

وفي ظل حالة الهلع التي أحدثها فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في الجسم السياسي الإسرائيلي والتي تبرر للمؤسسة السياسية الحزبية بكل أطيافها الانعتاق الكلي هذه المرة .

والكامل والسهل داخلياً ودولياً من أي قيود يفرضها منطق التفاوض المعطل أساساً من طرف إسرائيل منذ سنوات، في ظل هذا كله تتكاثر التصريحات من أولمرت ورفاقه والتي تعبر مجتمعة عن رؤية كاديما للتسوية الإسرائيلية المقبلة.

التسوية الأحادية التي ستفرض تدريجياً كأمر واقع في دبلوماسية الصراع والتسوية الإسرائيلية الفلسطينية. إنها أكثر من حمى انتخابية كما يجاهد البعض في وصفها ليبرر الاستمرار في الرهان على سراب عودة إسرائيل إلى منطق التفاوض والشراكة الثنائية مع الفلسطينيين التي يفرضها هذا المنطق، في صنع التسوية التعاقدية.

تسوية أولمرت أو التسوية الأحادية ستجري على مرحلتين: المرحلة الانتقالية، مرحلة فك الارتباط المدني في الضفة الغربية وليس العسكري كما حصل في غزة، مرحلة تقسيم الضفة إلى كانتونات عبر الانسحابات من المناطق ذات الكثافة الديموغرافية الفلسطينية .

أو من غالبية مناطق الضفة الغربية، واستكمال بناء الجدار مع الاحتفاظ بغور الأردن، الذي هو خط الدفاع أمام أردن ضعيف ومهدد وعراق متفجر وإيران ثائرة وداخلة بقوة عبر حماس على الخط الفلسطيني كما يقول أهل الاستراتيجية في إسرائيل.

الجغرافيا السياسية الجديدة بين المتوسط والخليج أعطت الاحتفاظ بغور الأردن حجة استراتيجية أقوى وأكثر متانة عند المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ثم تأتي المرحلة النهائية.

في ظل غياب الشريك الفلسطيني علماً أن الأحادية الإسرائيلية حاملة بطبيعتها لكل شروط تغييب الشريط الفلسطيني طالما أن هذا الأخير يجب أن يقول حسب الشروط الإسرائيلية التي لا يوجد اعتراض دولي فعلي عليها إذا استثنينا بعض التصريحات الدبلوماسية الرخوة والمرنة جداً. المرحلة النهائية التي يفترض أن ترسم فيها حدود إسرائيل الدائمة في العام 2010 يقول أولمرت.

ليس من الصعب «بيع» هذه الرؤية لواشنطن الغارقة في بغداد والمنشغلة بطهران والتي لا ترى العناصر الموضوعية الخاصة بالصراع في صنع الممانعة الفلسطينية أمام إسرائيل.

بل تعتبر هذه الممانعة مجرد امتداد لاستراتيجية طهران الإقليمية، ليس من الصعب ذلك خاصة أن خطة أولمرت هي ترجمة ولو بتصرف «لوعد بوش» الذي حصل عليه شارون من قبل. فانتصار حماس يشرعن الأحادية الإسرائيلية أميركياً ويجعل واشنطن تقبل بصمت التسوية «الكاديمية».

بين لاءات نتانياهو ورؤية أولمرت التي تعبر عن «الصهيونية العملية»، كما وصفها أحدهم، التي تمثل تحولاً واقعياً من الصهيونية الإيديولوجية، وضعف وارتباك بيرتز، يرتسم في الأفق مشهد أحادية مزدوجة:

أحادية القوي الإسرائيلي أو أحادية الفعل الذي يفرض رؤيته وأجندته على أرض الواقع وأحادية رد الفعل للطرف الأضعف، الطرف الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يفرض رؤيته.

ولكنه قادر أن يرفض رؤية الآخر ولو غلف هذا الرفض مع حماس بالخطاب الإيديولوجي الرفضي للأخيرة، فلا يمكن الطلب من حماس الذهاب أبعد من تبني مبادرة السلام العربية والقبول بالاتفاقات المعقودة، وهي ما زالت مترددة في هذا الخصوص، لمد الجسور كلياً إلى إسرائيل .

وعبور امتحان التحول من الثورة وعقائدياتها إلى الدولة وسياساتها، رغم مرارة تجربة الأخيرة مع فتح، طالما أن الأحادية الإسرائيلية تقيم الأسوار وتمارس الانغلاق ورفض الآخر، وطالما أن الطرف الثالث، المسمى الرباعي، مستقيل من دوره، مكتفياً بالتمسك بخريطة طريق سقطت من أول الطريق.

كل شروط العودة إلى الصراع المفتوح والمدمر في طريقها إلى التبلور كلياً بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي ستعلن «رسمياً» عن تلك العودة. الانتخابات التي ستكرس مسار التسوية التفجيرية.

ما حصل يوم الثلاثاء في سجن أريحا من قرصنة إسرائيلية وإسقاط كل القواعد السياسية والقانونية والأمنية التي تحكم علاقات إسرائيل مع السلطة الفلسطينية، وما ظهر من موقف متفرج وتبريري للمعنيين الدوليين، نموذج مسبق لسياسة التسوية الأحادية التفجيرية المقبلة.

كاتب لبناني