بعد جولات ساخنة من حرب التراشق والتصعيد عبر الميكروفونات بين واشنطن وطهران، وبعد تعنيف الخطاب المتبادل بينهما إلى حدود التحذير، بل التهديد المبطن، أعرب الطرفان، فجأة، عن الرغبة في الحوار المباشر.

في الواقع لم يكن في الأمر مفاجأة، إلا من حيث إن الموافقة على الجلوس إلى الطاولة قد أتت في أعقاب توتير بلغ ذروته، لكن على أرض الواقع كانت هناك حقائق قاسية هي التي فرضت عليهما الاستدارة نحو البدائل الأخرى، غير مواصلة الاحتقان.

هو تحول مرغوب حتى ولو كان قد حصل من باب التكتيك. بيد أنه تحول لايزال في حدود الموقف المعلن. ما يلزمه الآن هو ان تحصل ترجمته ويجلس الجانبان وجهاً لوجه للتداول في الملفات الشائكة، من العراق إلى النووي.

من نافل القول إن التوافق على خيار الحوار بين واشنطن وطهران لم يكن حصيلة صحوة ضمير هبطت على العاصمتين في آن. ففي السياسة لا يحكم غير الحسابات والأولويات والتوازنات. ولا يحصل ذلك إلا على أرضية المعطيات العنيدة القائمة على أرض المعادلة السائدة في لحظة معينة.

على هذا الأساس تحرك الجانبان في هذا الاتجاه باعتباره الخيار المتاح، الأقل كلفة. واشنطن محشورة في العراق. العملية السياسية التي ترعاها هناك متعثرة. بل تهدد بالانفراط. طهران، في المقابل، محشورة بالملف النووي.

لا تريد مواجهة مع المجتمع الدولي، رغم خطاب التحدي الذي اعتمدته. كلاهما يرغب ويريد اجتناب التورط المكلف. تقاطعت، إذن، المصالح، طالماً ان واشنطن تعرف أهمية طهران في الملف العراقي، كما ان هذه الأخيرة تدرك أهمية وثقل الأولى في مجلس الأمن.

من هنا كان التجاوب الإيراني أمس على لسان مستشار الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، مع الدعوة التي كانت إدارة الرئيس بوش قد وجهتها منذ أشهر عدة لفتح حوار مع طهران. هذه الدعوة انطوت ضمناً على اعتراف أميركي بمصالح إيران في العراق. أو هكذا هي توحي.

بصرف النظر عن مدى مثل هذا التسليم. في الوقت ذاته انطوى قبول إيران بالعرض، عشية بحث مجلس الأمن بملفها النووي، على التسليم بأن استمرار التوتر والتصعيد مع واشنطن قد ينتهي الى صدور قرارات دولية مؤذية لها، فضلاً عن تأليب المجتمع الدولي ضدها.

بالإضافة الى ذلك يشي التوجه نحو الحوار بتسليم مشترك، أيضاً، بعبثية لغة التحدي والاستفزاز وبالتخوف من مضاعفاتها وعواقبها، لكونها محكومة بأن تؤدي الى زيادة الاحتقان، المؤدي بدوره في آخر المطاف، الى الانفجار.

لاشك ان كل ذلك يصب في خانة التطور الإيجابي. ويعزز من إيجابيته بأنه يتزامن مع مناخ حواري ولو متذبذب، في المنطقة، من فلسطين ـ بين فتح وحماس ـ إلى لبنان إلى العراق ـ حول الحكومة. لكن لاشك أيضاً أنه محفوف بالمخاطر.

وقبل كل شيء أنه اضطرار. والخشية هنا ألا يكون الحوار هروباً أو شراء وقت لتجاوز فصل أو مرحلة محددة، عند ذاك هو محكوم بالمراوحة، إن لم يكن بالانهيار.

اذا كان الحوار للمقايضة، فلا خطر في ذلك. لا حوار يقوم أو يهدف إلى غير ذلك. لكن في اللحظة الراهنة المحك هو في انعقاد هذا الحوار وتسهيل حصوله بتخفيفه من الشروط المسبقة. ففي ذلك مصلحة مشتركة للأطراف المعنية والاقليمية كافة.