دائماً، وفيما يشبه القانون، انتهت حياة واحد من مفجري الحروب الظالمة، التي أزهقت أرواح مئات الآلاف من البشر، نهاية مأساوية، اختلطت معها الحقائق بالأكاذيب، وشكلت لغزاً احتاج إلى تشريح لفك طلاسمه.
سلوبودان ميلوسيفيتش مفجر حرب البلقان في العقد الأخير من القرن العشرين الفائت، مات وحيدا في زنزانة داخل معتقل محكمة الجزاء الدولية في لاهاي، قبل أن يسدل الستار بطريقة طبيعية على محاكمته على ما اقترفت يداه الملطختان بدماء الأبرياء في البوسنة والهرسك وغيرها من الأراضي التي أفرطت من عقد الاتحاد اليوغسلافي السابق، نتيجة أطماع الزعيم الصربي المتعصب.
سواء مات ميلوسيفيتش منتحرا أم بفعل أزمة قلبية، فان الحقيقة المؤكدة ان المغامر الصربي رحل قبل أن ينال عقابه على سجله الحافل بالقتل والتطهير العرقي الذي كان بطله بلا منازع في الخمس عشرة سنة الأخيرة.
من أب قسيس مولع بالشيوعية وأم معلمة، انتحرا في ظروف غامضة، خرج ميلوسيفيتش إلى الحياة، قبل أن ينخرط في دوامة العمل السياسي يافعا، محملا بجرثومة التعصب القومي، الذي قاد خطاه.
فيما بعد لتفكيك عرى الاتحاد اليوغسلافي لبنة إثر أخرى، فوق خرائب الحرق والتدمير، بحثا عن وهم صربيا الكبرى، لكن فاته أن المعطيات الدولية، وخاصة داخل البيت الأوروبي الذي اكتوى بنيران حربين عالميتين، لم يكن مستعدا لتفجير حرب ثالثة بالدافع والأهداف ذاتها.
ظل الغرب لسنوات طويلة يدفع ثمن مغامرات موسوليني الفاشية، وهتلر النازية تحت شعارات قومية متعصبة وعنصرية، وبالتالي كان من الصعب تمرير مغامرات قائد أوروبي جديد رضع حليب الحقد والتعصب، ضد الأعراق الأخرى، فكانت الصخرة التي هوت على رأس ميلوسيفيتش.
افتعل الزعيم الصربي الذي ضاقت بلغراد على ضم رفاته بين ترابها، الأسباب لإشعال النيران، وإطلاق يد غلاة المتعصبين من الصرب، في البوسنة والهرسك، في أوائل عام 1992، ولم يتورع عن مساندة عصابات التطهير العرقي التي تبارت في سفك دماء المسلمين.
واغتصاب نسائهم وإخراجهم من ديارهم، قبل أن تحط الحرب أوزارها في عام 1995، وفقا لاتفاق دايتون الشهير، والذي خلف ترويكا رئاسية في البوسنة والهرسك، ضمت الصرب والكروات والمسلمين.
وقبل أن يلملم مسلمو البوسنة جراحهم الغائرة، سارع ميلوسيفيتش إلى صنع مأساة جديدة، كانت من نصيب ألبان كوسوفو المسلمين أيضا، عندما بعث برسل الموت إلى الإقليم لسحق ثورة أبنائه في عام 1998.
وهو ما استدعى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لوقف الثور الهائج، بمقاتلات راحت تكيل له الضربات على مدى قارب الثلاثة اشهر، أجبرته على التراجع والنزول من علياء جبروته وتكبره الأحمق.
ربما لا يرغب المتعصبون من أبناء الصرب الذين ذرفوا الدموع على ميلوسيفيتش باعتباره بطلهم القومي، في تذكر ما خلفه من صفحات سوداء بحق الإنسانية، غير أنه سيظل في نظر الشعوب التي دفعت ضريبة طموحاته التوسعية «جزار البلقان»، وفرع في شجرة شيطانية ملعونة، ابتلت بها البشرية، كلما انكسر لها غصن معوج، استبدلته بواحد جديد !.