تاريخ التعامل العربي مع أوروبا، اتسم بالأزمات، أكثر من العلاقات المتكافئة والسبب أن ثقافة الطرفين ليست منسجمة، وحتى السياسات ظلت متباينة لأن قدرة القوي على فرض نفوذه، ومن خلفه ثقافته وتسلطه، وذكريات الماضي بالصدام الحضاري، خلقت ما يشبه الرفض لسيادة الأقوى،والمقاومة من الأضعف..

النمسا بلد من قادة الحضارة الغربية، ونموذج للدولة المحايدة في العصر الحديث، رغم مآسي الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تجمع الشخصية الكلاسيكية بعمارتها وموسيقاها، وطبيعتها الرائعة، مع التطور الحديث بمناحيه التقنية، والاقتصادية، وحين يكون رأس دولتها ضيفاً على المملكة، فإن الجامع بين البلدين لا يقتصر على العلاقات الثنائية التي يأتي من ضمنها المنافع الاقتصادية وتبادل الخبرات،والأسواق المفتوحة.

وإنما هموم السياسة المتكررة، التي غالباً ما تعاملت معها أوروبا إما بانحياز تام ضد قضايانا الساخنة، أو تجاهل بدعوى الحيادية، أو عدم المبالاة، بالتحديد الدقيق، والنمسا، التي ترأس الاتحاد الأوروبي، والحاضنة لمؤسسات دولية خارج نفوذ القوى، تستطيع أن تؤدي دوراً فاعلاً حتى لو لم تكن بموازين الدول الأكبر والأهم مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها.

لأن القضية ليس الوفاء لمبادئ ، ونحن نعلم أن لا ثوابت، ولا مبادئ في السياسة، لكن تغليب المصلحة مع كيان عربي كبير ربما يتماثل للشفاء يوماً ما، ولديه طاقات وامكانات هائلة، قد يغير صورة أوروبا التي بقيت تضع تبعيتها لأميركا، فوق صنع ملامح علاقات مع العرب أكثر ثقة وتقدماً، واعترافاً بحقائق الجغرافيا والتاريخ.

وكما أن العالم يتحرك، ويتطور، وصارت موازين القوى تتغير، فإن عالم اليوم لم يعد تحكمه قوة واحدة، أو قوتان متصارعتان، إذا علمنا أن تعدد القوى خلق ما يشبه معالم الأقطاب القادمين من آسيا، وخاصة الصين والهند، وقبلهما اليابان، وهي تتحرك بموازين دقيقة، وتحديات كبيرة، وهنا تأتي المصالح الاقتصادية في ذروة هذه العلاقات.

ولعل بطء التحرك الأوروبي والاعتماد على تسويق سلع استهلاكية، والحذر من خلق فرض بناء أكبر في الاستثمارات الصناعية والتعاون في المجالات السلمية، وفر عوامل الشك أكثر من اليقين، وخلق فجوات تحتاج إلى ملئها بالثقة، والفعل الواضح والنمسا قد تكون البلد غير المحايد، إذا كانت فوائد العلاقات تأتي في قمة العمل القادم، وهي قادرة أن تقول ذلك لشركائها..